صار من المعتاد اليوم أن يتحول أي نقاش، مهما كان بسيطًا، إلى ساحة معركة مشتعلة، لا صوت فيها يعلو فوق الصراخ والسباب والتجريح. يكفي أن تطرح رأيًا لا يوافق أهواء البعض حتى تنهال عليك موجات من الهجوم الشخصي، تُسلب منك أبسط حقوقك في الحديث، وتُرمى بأبشع الصفات وأحقر الألفاظ. والأسوأ من ذلك أن البعض لا يقرأ حتى الردود  أو الحجج، ولا يبحث عن الحقيقة، بل يترصد لكلمة أو عبارة ليصنع منها ذريعة لمهاجمتك وتشويه صورتك، وكأن هدفهم ليس الحوار بل افتعال الخصام وإخراج أسوأ ما في نفوسهم.

من أين جاء هذا العنف اللفظي والجفاء في التعامل؟ وكيف أصبح الخلاف في الرأي مدعاة للعداء، بدل أن يكون فرصة للتعلم والنضج الفكري؟ كثيرون باتوا يتغذون على أذية الآخرين، وكأنهم يثبتون لأنفسهم وجودًا أو أهمية من خلال كسر الآخرين أو تحقيرهم. يتحدثون عن الحقوق وهم أبعد الناس عنها، ويطالبون بالاحترام وهم لا يعرفون له معنى، وكل همهم إسكات الصوت المخالف وتهميش أي فكر لا يسير مع تيارهم أو يخدم مصالحهم.

للأسف، هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة بل هي نتاج سنوات من ضعف التربية على قيم الحوار، وقصور التعليم عن غرس ثقافة قبول الآخر. تربى البعض على فكرة "أنا الصح وغيري خطأ"، فكبرت معهم نزعة السيطرة ورفض النقد، وتضخمت لديهم حساسية مفرطة تجاه أي اختلاف مهما كان بسيطًا. ومع تزايد المساحات الافتراضية، وجد هؤلاء منابر يبثون منها غضبهم ويشبعون فيها نزعاتهم العدوانية دون رقيب ولا حياء.

الأخطر من ذلك أن البعض يتلذذ بجرح الآخرين، يختلق المشكلات ويثير الزوابع فقط ليجد لنفسه دورًا أو شهرة، ولو على حساب الكرامة والأخلاق. هكذا تحول النقاش إلى ساحة استعراض عضلات، واختفت لغة العقل لتحل محلها لغة الشتائم والإقصاء.

فما الحل إذًا؟ البداية من البيت، حيث يجب أن نتعلم جميعًا أدب الحوار واحترام من يختلف معنا، وأن ندرك أن الاختلاف رحمة وسُنة كونية، لا عيب ولا جريمة. يجب أن نربي أبناءنا على الاستماع بصدق، لا على انتظار دورهم في الرد، وعلى التفريق بين نقد الفكرة والاعتداء على الشخص. كما أن دور التعليم عظيم في زرع ثقافة التسامح وتدريب الطلاب على النقاش الراقي، وتقدير قيمة الرأي الآخر مهما كان مخالفًا. ومن المهم أن يكون لكل فرد وقفة مع نفسه، يراجع فيها أسلوبه في الحوار ويدرك أن القوة ليست في إسكات الآخر، بل في احترامه والسعي لفهمه حتى لو لم يقتنع بكلامه.

ويظل الإعلام والمنصات الاجتماعية مطالبة بالتصدي لخطاب الكراهية وتشجيع لغة الحوار النظيف، وتوعية الناس بمخاطر العنف اللفظي على النسيج المجتمعي والنفسي للأفراد.

في النهاية، قيمة الإنسان ليست فيما يمتلكه من أفكار أو حجج، بل في قدرته على احترام غيره حتى وهو مختلف معه. وأخلاقنا تظهر في لحظات الغضب والاختلاف، لا في أوقات المجاملة. فلنكن قدوة في الحوار، ولنرفض أن نكون جزءًا من هذا الانحدار، ولنعلم أبناءنا أن الكلمة قد ترفع إنسانًا أو تهوي به في درك سحيق، وأن التهذيب ليس ضعفًا بل هو أرقى أنواع القوة.