من أعجب الظواهر التي أفرزها عصر الإنترنت، أن بعض الناس لم يعودوا يفرقون بين مناقشة "القضية" ومناقشة "الأشخاص"؛ تماماً كما لا يفرق طفل صغير بين مفتاح السيارة وجهاز التحكم بالتلفاز.. كلاهما أزرار في النهاية!
تخيل أنك تسير في الشارع، فاقترب منك شخص وبدأ يوجه لك الشتائم والإهانات، ويتحدث عنك، وعن عائلتك، وعن نواياك، وعن طفولتك، وربما عن فصيلة دمك أيضاً! ثم عندما قررتَ أن ترد عليه وتوضح للناس حقيقة ما يحدث، خرج عليك أحد الحكماء الرقميين قائلاً بنبرة واعظة:
"يا أخي... لا ترد عليه، لقد انحرفت عن الموضوع الأساسي!"
وكأن المطلوب منك قانوناً وأخلاقاً أن تستمر في السير الهادئ، بينما يتولى الآخر مهمة تحويلك إلى لوحة إعلانات مجانية لكل ما يخطر بباله من ترهات.
المحكمة في الداخل.. والتشويه في الخارج
هذه الفكرة العجيبة أصبحت منتشرة بشكل يستحق التأمل؛ فهناك من يعتقد أن القضية إذا كانت منظورة أمام القضاء، فهذا يعني أن صاحب الحق مطالب بالصمت التام، حتى لو تعرض للتشويه والتجريح والتشهير على الهواء مباشرة.
والسؤال البسيط هنا: من قال إن الأمرين شيء واحد أصلاً؟
- فالقضية الأصلية مكانها الطبيعي هو المحكمة.
- أما محاولة تشويه الأشخاص أمام الجمهور فمكانها ساحة الرأي العام.
وهذان خطان متوازيان لا يلتقيان إلا في عقول بعض منظري وسائل التواصل الاجتماعي. فالقضية القانونية تُناقش بالمستندات والأدلة والدفوع، أما عندما يتحول النقاش إلى حفلة تقييم أخلاق وشخصيات وأنساب ونيات، فهنا لم نعد أمام قضية، بل أمام برنامج مواهب لاختيار "أفضل مؤدٍ درامي" لهذا الموسم!
والأعجب من ذلك، أن بعض الناس إذا سمعوا صاحب منصة، أو إعلامياً، أو رجل قانون يوضح للجمهور أساليب التضليل أو التشويه التي مورست ضده، قالوا فوراً: "لقد خرج عن القضية!". لا يا سيدي، هو لم يخرج عن القضية؛ هو فقط يقوم بـ "صيانة وعي جمهوره". ففي زمن الضجيج، السكوت لا يُفهم دائماً على أنه حكمة، بل قد يُسوَّق أحياناً على أنه صك اعتراف. ولهذا فإن توضيح الحقائق ليس انحرافاً عن الطريق، بل إزالة للحجارة التي يلقيها الآخرون في الطريق.
جالون بنزين بـ "دافع المشاركة المجتمعية"
أما الفئة الأكثر إثارة للاهتمام، فهي تلك التي يمكن وصفها بـ "المستثمرين في الخلافات". هؤلاء لا يهمهم من المخطئ ومن المصيب، ولا تبرق أعينهم للحقيقة، ولا تعنيهم الوثائق؛ كل ما يهمهم هو أن يبقى الحريق مشتعلاً! إنهم يشبهون تماماً أولئك الذين يشاهدون رجال الإطفاء يحاولون إخماد حريق هائل، فيحضرون "جالون بنزين" ويلقونه في المنتصف بدافع "المشاركة المجتمعية"!
الغريب أن كثيراً من هؤلاء يبدأ حديثه بمقدمة دينية ورعة وطويلة عن الأخلاق، والتسامح، والرفق، والستر، ثم بعد خمس دقائق فقط، يتحول البث إلى مدفعية ثقيلة من السباب، واللمز، والغمز، والإشارات، والحركات المسرحية. فتشعر للحظة أنك لا تشاهد نقاشاً، بل عرضاً مشتركاً بين واعظ أخلاقي وممثل كوميدي يؤدي دور الشرير في الحلقة نفسها!
إنها حالة فريدة من التوازن الكوني: لسان يتحدث عن الفضيلة والتقوى.. وحاجب يؤدي رقصة منفصلة تماماً عن مضمون الكلام!
لجان "المرور الطارئة"
أما أكثر المشاهد طرافة، فهو ظهور "لجان الصلح الطارئة"؛ فبمجرد أن يتعرض شخص للإساءة ويرد عليها بالمنطق، يخرج عليك البعض قائلين: "يا جماعة، اهدوا، المسامح كريم". وهذا كلام جميل جداً.. لكن الأزمة أنهم يوجهونه دائماً إلى الطرف الذي "تلقى الإساءة"، وليس إلى الطرف الذي "بدأها"!
وكأن العدالة في بعض النسخ الرقمية الحديثة أصبحت تشبه رجل مرور يوقف السيارة الملتزمة بالقانون ليوبخها، ويترك السيارة المخالفة تكمل طريقها لمجرد أنها تسير بسرعة أكبر!
الحقيقة البسيطة هي أن هناك فرقاً شاسعاً بين اختلافين لا يجوز الخلط بينهما:
- اختلاف حول فكرة أو مستند أو تفسير أو رأي: وهذا يُناقش ويفند بالمنطق.
- اختلاف قائم على الإهانة والتشهير والطعن الشخصي: وهذا لا يُعالج بالصمت، بل بتوضيح الحقيقة ورد الاعتبار.. حماية للوعي العام من أن يتحول إلى مكب نفايات معلوماتي.
في النهاية.. إذا رأيت شخصاً يناقش الأدلة بالأدلة، فاستمع إليه واحترمه حتى لو اختلفت معه. أما إذا رأيته يترك الموضوع بالكامل، وينشغل بتوزيع النوايا، والشتائم، وحركات العين والحاجب، والابتسامات الساخرة، فاعلم أن القضية قد غادرت المنصة منذ وقت طويل، ولم يبقَ أمامه إلا المؤثرات البصرية.
وعندما تصل الحجة إلى مرحلة "اللعب بالحواجب"، فاعلم يقيناً أن المنطق قد حزم حقائبه وغادر القاعة بهدوء.. منذ عدة فصول!
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.