في تطور غير مسبوق في عالم العدالة، يبدو أن زمن الأدلة الجنائية قد انتهى رسميًا، وأن الكاميرات، وتقارير الطب الشرعي، وتحريات المباحث، وأقوال الشهود، وأحكام المحاكم أصبحت مجرد كماليات بائدة لا لزوم لها.

فالحل السحري لفك غموض القضايا ظهر أخيرًا... الأحلام!

يكفي أن ينام أحدهم نومًا هادئاً، ليستيقظ صباحًا ومعه ملف القضية كاملاً، بالأسماء، والعناوين، وربما بأرقام البطاقات الشخصية للمتهمين أيضاً!

الجزء الأول: كنز تحت السرير!

تبدأ أحداث المسلسل الميتافيزيقي عندما تظهر الروح في المنام لتخبر صاحب الرؤيا أن هناك "كرتونة آثار" تحت سرير شخص معين. وهنا يتحول ملف القضية فجأة من جناية قتل تهز الرأي العام، إلى بعثة تنقيب أثرية!

ينقصنا فقط أن يظهر عالم الآثار "زاهي حواس" في الحلم القادم ليحدد لنا: "القطعة دي من الأسرة الثامنة عشرة ولا من عروض كارفور؟"

الجزء الثاني: الأرواح تدرس شجرة العائلة!

تتطور الأحداث سريعاً، فالروح في المنام الثاني لم تعد تكتفي بالإشارات الأثرية، بل بدأت تذكر أسماء أشخاص بعينهم. ويا للمصادفة... جاءت جميع الأسماء من الدائرة المحيطة بخصوم المتهمة الحقيقية، وكأن الأرواح أصبحت تتابع شجرة العائلة بدقة شديدة قبل أن تزور أصحاب المنامات!

وهنا نطرح سؤالاً قانونياً: إذا كانت الأرواح تستطيع الإدلاء بأقوالها بهذه الدقة الرقمية، فلماذا تتعب النيابة نفسها في التحقيق؟ ولماذا توجد محاكم أصلًا؟ يكفي أن يُخصص لكل قسم شرطة "سرير مريح ومخدة طبية"، وننتظر تقرير الحلم الجنائي صباحاً!

الجزء الثالث: البرزخ لايف!

المشهد يصبح أكثر إثارة وتشويقاً؛ المتوفاة تصرخ فوق البحر، وتنادي على أشخاص بأسمائهم وكأننا أمام الموسم الجديد من مسلسل رعب إلكتروني. بل إننا نتوقع قريبًا إطلاق تطبيق جديد باسم "Dream Justice"؛ تدخل اسم القضية والرقم القومي قبل النوم، فتستيقظ صباحًا ومعه أسماء الجناة، ودوافعهم، وربما رقم محضر الشرطة أيضاً!

مقترح عاجل لتطوير منظومة العدالة

طالما وصلنا إلى هذه المرحلة من "الشفافية الروحية"، نقترح توفيرًا للوقت والجهد والمال إنشاء الهيكل الإداري التالي:

  • الإدارة العامة للمنامات الجنائية.
  • نيابة الرؤى الصادقة.
  • محكمة الأحلام المستعجلة.
  • مصلحة الطب الشرعي الروحي.
  • قسم استئناف الرؤى بعد صلاة الفجر.
  • إدارة تنفيذ الأحكام بعد الاستخارة.
  • لجنة فضّ الأحلام المتعارضة (إذا رأى كل طرف حلمًا مختلفًا للحادثة!).

أما جهاز كشف الكذب المذكور، فسيتم تحديثه بالطبع ليقيس جودة النوم، وعمق حركة العين، وعدد السعرات الحرارية المستهلكة أثناء الحلم!

تصور تخيلي لشكل الجلسة القادمة:

  • القاضي: هل لدى دفاع المتهم أي دليل ينفي التهمة؟
  • المحامي: نعم يا سيادة المستشار.. موكلتي نامت بعد صينية محشي كُرومب ثقيلة، ورأت المتوفاة تبرئنا في المنام!
  • القاضي: ممتاز.. ولكن هل كانت الرؤيا قبل الفجر أم بعده؟
  • المحامي: للاسف، كانت قيلولة بعد الظهر يا فندم.
  • القاضي: إذن تؤجل الدعوى لجلسة الشهر القادم حتى نرى حلمًا أوضح في الثلث الأخير من الليل!

بعيداً عن الضحك.. النقطة المرعبة حقاً

حين تتحول القضايا الجنائية ومصائر الدماء إلى روايات تُبنى على المنامات، فإن أي إنسان في هذا المجتمع يمكنه غداً أن يتهم جاره، أو خصمه، أو أي شخص بريء لمجرد أنه: "رآه في المنام"! وبهذه الطريقة لن يبقى أحدٌ آمنًا في بيته.

العدالة لا تقام على ما يراه النائم في مخيلته، بل على ما يثبته الدليل القاطع فوق أرض الواقع. ولو فتحنا هذا الباب المظلم، فسيُستبدل قسم الأدلة الجنائية بقسم "الأغطية والوسائد"، ويصبح أفضل ضابط تحقيق هو أكثرهم قدرةً على النوم ثماني ساعات متواصلة! وسيصبح "النوم العميق" هو وسيلة الإثبات الرسمية في الدساتير.

كلمتي الأخيرة،

إن احترام الأحلام حقٌ لصاحبها، أما تحويلها إلى أدلة لإدانة الناس أو تبرئتهم، فليس احترامًا للغيب... بل عبثٌ بالعدل. دماء "فاطمة" عروس بورسعيد وحقها لن يضيع في دهاليز الدجل وتصفية الحسابات؛ فالعدالة تُبنى على الوقائع.. أما الأحلام، فتظل أحلاماً.

فإذا أصبح الحلم دليلًا... فلن يبقى بريء، ولن يبقى متهم، بل سيبقى فقط من نام نومًا أعمق من غيره. ولعل أكثر ما يستحق الشفقة ليس من رأى حلمًا.. بل من يريد أن يهدم به تحقيقات، وأحكاماً، وحقوقاً، ودماء إنسان.

---------

بقلم: ماهر عبد الشكور

(مستشار قانوني معتمد لدى محكمة الأحلام المستعجلة، وباحث غير متفرغ في شؤون الأغطية والوسائد الجنائية)