إذا كنت تعاني من هبوط حاد في ضغط الدم، وتشعر بالخمول، وتبحث عن طريقة سريعة وآمنة لرفع مؤشراتك الحيوية إلى مستويات تاريخية، فدعني أبشرك بأن الطب الحديث قد فشل في اكتشاف العلاج، بينما نجحت "جمهورية السوشيال ميديا المتحدة".

كل ما عليك هو أن تفتح هاتفك، وتتابع أي قضية رأي عام لمدة خمس دقائق فقط. خمس دقائق لا أكثر!

بعدها سيقفز ضغطك إلى أرقام لم تسجلها البشرية منذ اختراع جهاز الزئبق، وستشعر بأن مخك بدأ يدور حول نفسه بسرعة مروحة سقف قديمة من مخلفات الستينيات، بينما تتطور لديك حالة نادرة من "الإحولال الفكري الحاد".. وهي حالة طبية فريدة تجعل العين اليسرى تنظر إلى الواقع، بينما العين اليمنى تحاول فهم التعليقات!

قانون نيوتن الثالث في عالم الفضاء الأزرق:

في البداية، كنت أعتقد غباءً أن متابعة القضايا تحتاج إلى عقل، ثم اكتشفت أن العقل هو أول ضحية يتم دفنها في القضية. فأنتم مثلاً تبدأون بطرح سؤال بسيط جداً ومشروع: — "لماذا حدث هذا التناقض؟" فيأتيك الرد الفوري من جماهير المدرجات: "اتق الله في أحكامك!" فتقول مذهولاً: "أنا لم أحكم ولم أتهم أحداً، أنا فقط أسأل؟" فيصفعك الرد الصاعق: "أنت غيّرت رأيك وقبضت الثمن!"

هنا تعود ملهوفاً إلى منشوراتك القديمة لتتأكد أنك لم تُصب بألزايمر مبكر، فتكتشف أنك منذ اليوم الأول كنت تقول: "أنا أشك في كذا، وأتساءل عن كذا، وأنتظر ظهور الحقائق".. لكن هذا لا يهم أصلاً! لأنه في مجلس أمن التيك توك العالمي، ممنوع أن تتفاعل مع المعلومات الجديدة، ممنوع أن تلاحظ تناقضاً، وممنوع أن تراجع استنتاجاً بناءً على مستجدات خرافية (مثل أن يتحالف أهل قتيلة فجأة مع محامي الخصم ويضيعون دم ابنتهم بأيديهم!).

الإنسان الطبيعي عندما تظهر له حقائق جديدة يراجع موقفه، أما "المواطن الصالح" رقمياً فيجب أن يظل متمسكاً بنفس الرأي الأول، حتى لو هبطت عليه الحقيقة شخصياً بمظلة عسكرية ووقعت فوق رأسه!

كتالوج الخبراء والمحللين الاستراتيجيين:

لقد أصبح التفكير في عالمنا جريمة مكتملة الأركان:

  • إذا قلت: "هناك تناقض هنا".. فأنت خائن.
  • إذا قلت: "هناك علامة استفهام".. فأنت مأجور.
  • إذا قلت: "دعونا ننتظر التحقيق".. فأنت متواطئ.

أما إذا أغلقت عقلك تماماً وبدأت بالصراخ واللطم بلا توقف.. فأهلاً بك في نادي النخبة! وإذا تحدثت مع جميع الأطراف لتفهم، فأنت منحاز، وإذا استمعت إلى طرف واحد وصممت آذانك، فأنت "صاحب مبدأ"!

المطلوب منك ليس ألا تعرض التناقض، بل أن تتدرب على فن ‘النظر في الاتجاه المعاكس تماماً’؛ تشاهد الكلمة ونقيضها في نفس الجملة، فتصنع نفسك مغمىً عليك وتكمل يومك بشكل طبيعي.؛ تشاهد الكلمة وعكسها في نفس الجملة، ثم تبتسم وتكمل يومك. والأعجب من ذلك، أن تشاهد شخصاً يقول: "أنا ضد هذا الشيء تماماً"، ثم بعد ثلاث دقائق يقول: "أنا معه مائة بالمائة"، ثم يختم بثقة: "وأنا ثابت على موقفي منذ البداية!".. والمذهل أن الجمهور يصفق بحرارة! وكأن الذاكرة البشرية يتم فرمَتها جماعياً كل خمس دقائق.

بروتوكول "التدين المسرحي الاحترافي":

أما المدرسة الأكثر تطوراً والتي تكتسح الأسواق حالياً، فهي مدرسة "التجارة بالدم والمبادئ"، والتي تقوم على أربعة أركان أساسية لا تقبل النقاش:

  1. الركن الأول: سبحة بطول خط سكة حديد "مصر-إسكندرية".
  2. الركن الثاني: آيات وأحاديث يتم نطق نصف كلماتها بطريقة تجعل قواعد اللغة العربية تتقدم ببلاغ رسمي للاعتراض.
  3. الركن الثالث: نظرات حزينة مدروسة وموجهة بزاوية 45 درجة نحو الكاميرا.
  4. الركن الرابع: رقم حساب بنكي أو "رابط تبرعات" يلمع أسفل الشاشة تحت مسمى "مساعدة أصحاب القضية".

وبمجرد اكتمال الأركان الأربعة، يتحول الشخص فوراً إلى رمز للنزاهة، والشفافية، والفيزياء النووية، وتصدقه الجماهير العريضة عمياناً!

كواليس مجرة "بحبك يا غالي":

ثم نأتي للمرحلة المتقدمة من المهنية الرقمية: "ممارسة رياضة الحواجب الاستعراضية". وهنا ندخل في مستويات لا يستطيع العلم الحديث تفسيرها؛ حيث يستطيع "الحاجب الواحد" التعبير عن الغضب، والحزن، والمؤامرة الكونية، وأحوال الطقس، وأسعار الذهب في نفس اللحظة! تجد البث المباشر يمتد لساعتين دون معلومة واحدة مفيدة، لكن الحواجب تعمل ساعات إضافية حتى تظن أن القضية تُدار بالكامل بواسطة عضلات الوجه!

وفجأة، تجد نفسك وسط معارك دولية.. محاضر، بلاغات، تهديدات، واجتماعات طارئة، وكأننا أمام أزمة تهدد الأمن القومي لكوكب الأرض، بينما أنت المسكين الذي دخلت أصلاً لتسأل سؤالاً منطقياً عن معلومة جديدة، فتجد نفسك فجأة متهماً في محكمة مجلس حكماء "عالم سمسم"، ومطلوباً للتحقيق في مفاوضات السلام بمجرة "بحبك يا غالي"!

الروشتة النهائية:

يا جماعة الخير، إن ناقل الخبر ليس هو الخبر، ومن يعرض التناقض ليس هو من صنعه! لكن يبدو أن هذه مفاهيم معقدة جداً على عصر يعتقد فيه البعض أن من يشير إلى المشكلة هو سبب المشكلة.

لذلك، أرى أن وزارة الصحة مطالبة فوراً باعتماد السوشيال ميديا كعلاج رسمي وبديل للموالح؛ فهي ترفع الضغط، وترفع السكر، وترفع معدل ضربات القلب، وتضمن لك "إحولالاً عقلياً" مستداماً.

أما أنا، فإذا رأيتموني قريباً أجلس أمام الكاميرا، أحرك حاجبيّ بسرعة الضوء، وأمسك سبحة بطول شارع كامل، وأناقش مع سيدات عالم سمسم مستقبل المجرة.. فاعلموا أنني استسلمت أخيراً.. ليس لأنني اقتنعت، بل لأنني اكتشفت أن البحث عن المنطق وسط هذا السيرك يحتاج إلى ضغط دم أعلى بكثير مما يملكه أي إنسان طبيعي!