منذ فترة، بدأت أشعر أنني أعاني من حالة نادرة لم تُسجلها كليات الطب بعد. ليست مشكلة في النظر، فالحمد لله عيناي بخير، ولكن يبدو أن عقلي أصيب بشيء يمكن تسميته بـ "الإحولال الرقمي". والسبب ليس مرضاً وراثياً ولا عرضاً جانبياً لدواء ما، بل هو مداومة متابعة المعارك الدائرة على مواقع التواصل كلما ظهرت قضية رأي عام جديدة.

في البداية تكون هناك قضية واضحة: ضحية، متهم، تحقيقات، أدلة، وأسئلة منطقية تنتظر الإجابة.. ثم يحدث السحر!

فجأة تنقسم البشرية إلى فريقين؛ وكل فريق يعلن أنه الممثل الشرعي والوحيد للحقيقة على كوكب الأرض، وأن الفريق الآخر إما مغيب، أو مدفوع الأجر، أو جزء من مؤامرة كونية كبرى تمتد خيوطها من الحي المجاور إلى كوكب المريخ. بعد ساعات قليلة، تختفي القضية الأصلية تماماً، ويبدأ الفريقان في تبادل القذائف الكلامية، حتى يصبح السؤال الأساسي ليس: "ماذا حدث للضحية؟" بل: "من الذي شتم الآخر أولاً في التعليقات؟".

سريالية "الشتيمة المهذبة"

من أعجب الظواهر التي أفرزها هذا الإحولال، ما يمكن تسميته بـ "الشتيمة الدبلوماسية مغلفة السلوفان"، فتجد أحدهم يكتب في مناظرته:

"أخي العزيز، أنا أكن لك كل الاحترام والتقدير، وأشهد أنك رجل محترم وصاحب خلق، لكن اسمح لي أن أقول إنك كاذب ومنافق ومدلس وبعت ضميرك مقابل حفنة من المال!"

وهنا أقف حائراً؛ هل هذه رسالة مودّة أم محضر سب وقذف مغطى بورق هدايا؟ إنها تشبه تماماً أن يقترب منك شخص ويقول لك برقة:

"لا تفهمني خطأ، فأنا أقدرك كثيراً... لكنك تنهق، ولديك أذنان طويلتان، وتميل غريزياً إلى أكل البرسيم، ومع ذلك.. معاذ الله أن أقصد أنك حمار!"

في هذه اللحظة، يتجمد عقلك ولا تدري هل تشكره على لطفه الشديد، أم تطلب منه إعادة صياغة الإهانة بطريقة أكثر قسوة وأقل تهذيباً حتى تصبح مفهومة لغرائزك البشرية!

التحولات الدرامية وسعر الطماطم

المشهد الأكثر غرابة هو تلك التحولات السلوكية السريعة؛ فالمتهم الذي كان قبل ساعات إنساناً عادياً أو حتى مشتبهاً به، يتحول فجأة في نظر مريديه إلى "بطل قومي"، ورمز للنضال، وضحية لمؤامرة كبرى تشترك فيها الحكومات، والإعلام، وحالة الطقس، وتقلبات سعر الطماطم! ولا أحد من هؤلاء الجهابذة يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً: إذا كان التحقيق القضائي لم ينتهِ بعد، فمن أين هبطت عليكم كل هذه الصكوك والشهادات القطعية بالبراءة؟

يا سادة، احترام القانون لا يعني الإدانة المسبقة، لكنه حتماً لا يعني منح صكوك القداسة قبل أن تنطق منصة القضاء.

وفي الجهة المقابلة، يظهر الفريق الذي يعتقد أن أفضل وسيلة لنصرة الضحية هي "فقدان الأعصاب بالكامل". تتحول المطالبة بالحق إلى وصلة ردح جماعي، وتتحول الحجة إلى صراخ، ويتحول أي شخص عاقل يطلب التريث وفحص الأدلة إلى "عدو للإنسانية ومشارك في الجريمة".

وهنا تحدث المفارقة التي تبكيك ضحكاً: الفريق الأول يدافع بحماس أعمى عن شخص قد يكون مذنباً، والفريق الثاني يضر بغوغائيته قضية شخص قد يكون مظلوماً.. وكلاهما مقتنع أنه يخدم العدالة!

بارقة أمل وسط الغبار

وللإنصاف، فإن المشهد ليس مظلماً بالكامل؛ فما زالت هناك أصوات ومنصات تحاول أن تمارس دورها بمهنية وشرف، فتستمع إلى جميع الأطراف، وتراجع التصريحات القديمة والجديدة، وتقارن بين الأقوال والأفعال، ثم تترك للجمهور فرصة الحكم بناءً على الوقائع لا على الهوى والعواطف.

هذه النماذج لا تعادي الأشخاص، ولا تمنح أحداً صكوك القداسة أو الخيانة، بل تنتقد المواقف عندما تتناقض، وتكشف التلاعب عندما يظهر، لأن ولاءها الأول يكون للحقيقة لا للأفراد. ومن الأمثلة التي يراها المتابع المنصف في هذا الإطار منصة الأستاذ "فتحي الجوهري"، التي يلاحظ متابعوها حرصها على تتبع الوقائع ومقارنة الروايات المختلفة دون انحياز مسبق لطرف؛ فالغرض هنا ليس الانتصار لشخص أو الهجوم على آخر، وإنما محاولة الوصول إلى الصورة الأقرب للحقيقة مهما كانت نتائجها مرّة.

التجربة الفلسفية للمواطن المسكين

أما المواطن المسكين الجالس في المنتصف، فيعيش تجربة وجودية عميقة لم يكن مستعداً لها؛ ينظر يميناً فيجد يقيناً مطلقاً بالبراءة، وينظر يساراً فيجد يقيناً مطلقاً بالإدانة يناقض الأول تماماً. فيحاول تشغيل عقله قليلاً، فيتهمه الطرفان فوراً بالخيانة والعمالة!

هنا يبدأ بطرح الأسئلة الكبرى:

  • "أنا مع من بالضبط؟"
  • "من الظالم ومن المظلوم؟"
  • "ما هي القضية أصلاً؟"

ثم ينتقل إلى مستوى أعلى من التأمل الفلسفي الصرف: "من أنا؟ ولماذا أتيت إلى هنا؟ وهل كان يجب أن أفتح هذا التطبيق اللعين من الأساس؟".. وفي النهاية يصل إلى قناعة عظيمة مفادها أن إغلاق الهاتف قد يكون أحياناً هو أقرب الطرق المؤدية إلى السلام النفسي وعودة الوعي.

نصيحة أخيرة

الحقيقة ليست فريق كرة قدم، وليست علماً نرفعه فوق رؤوسنا لنهتف به ضد الآخرين؛ الحقيقة لا تحتاج إلى مشجعين يهتفون بحياتها، بل تحتاج إلى عقول هادئة تفحصها. وإذا كنا فعلاً نريد العدالة، فلنترك الأدلة تتكلم، ولنكف عن صناعة الأبطال الوهميين قبل أوانهم، وعن إصدار أحكام الإعدام المعنوية قبل انتهاء التحقيق.

أما أنا، فسأواصل البحث عن طبيب متخصص في علاج "الإحولال الرقمي"، وإن لم أجده، فسأكتفي بإغلاق هذا الهاتف عند كل قضية جديدة، حتى لا أستيقظ ذات يوم وأنا أردد مع الجماهير الغفيرة، وبثقة كاملة، رأيين متناقضين في الجملة نفسها!