منذ فجر التاريخ، استقرت المجتمعات العاقلة على أن "الخطأ لا يبرر الخطأ"، وأن اعتراف المرء بزلة لسانه أو سلوكه هو أولى عتبات الحكمة. لكن، يبدو أن خوارزميات العصر الرقمي فرضت تعديلاً دستورياً جديداً على كوكب المنصات، ليصبح القانون السائد هو: "مادام الجميع يخطئون، فلنمارس الفوضى اللفظية جميعاً وبثقة كاملة!".

وهذه الظاهرة لا تقتصر على فئة أو مهنة بعينها، بل يمكن ملاحظتها في السياسة، والإعلام، والرياضة، ومختلف مجالات الحياة اليومية، إلا أن ظهورها في المهن القانونية يجعلها أكثر إثارة للانتباه والدهشة، بحكم طبيعة الرسالة الصارمة التي تحملها تلك المهنة. فالخطأ هنا يقع في محراب حراس المنطق، والكلمة الموزونة بميزان الذهب، والحجة الدامغة التي لا تخرج إلا بقدر.

معركة "تفتيش الدفاتر القديمة"

تأمل معي هذا المشهد السريالي: يخرج أحد المشتغلين بالقانون في بث مباشر، ليتجاوز حدود النقد الموضوعي إلى وصلة من التلاسن، متجاوزاً في خطابه ما اعتاد أهل المهنة اللجوء إليه من وسائل قانونية ومؤسسية لمعالجة الخلافات والاعتراضات.

وعندما ينبري زميل له، من باب النصح المهني أو الغيرة على وقار المهنة، ويقول له هادئاً: "يا زميلي، هذا الأسلوب لا يليق بالروب الذي ترتديه، وهناك طرق قانونية للطعن والتظلم".. كيف يأتي الرد؟

هنا يدخل المتابع في غيبوبة منطقية كاملة، عندما يرى الرد يأتي بصيغة صدمة وجودية:

"ومن أنت لتنصحني؟ ألم تخطئ أنت أيضاً في بث عام 2024 وتقول كذا وكذا؟!"

المشهد هنا يصبح كأننا أمام متهم ضبطته الكاميرات متلبساً بالجرم المشهود، وبدلاً من أن يناقش تفاصيل الواقعة، يلتفت ببرود وثقة للقاضي قائلاً: "وماذا عن سيادتك؟ لقد ثبت بالدليل القاطع أنك كنت تغش في امتحان الإعدادية سنة 1989!". وكأن اكتشاف خطأ قديم عند شخص آخر يُبطل قوانين المنطق، والجاذبية، والدستور، والعدالة معاً!

إذا كان الناصح يجب أن يكون معصوماً من الخطأ لتُقبل نصيحته، فعلى البشرية أن تغلق المدارس والمحاكم والمؤسسات، ونكتفي بانتظار هبوط الملائكة ليديروا شؤوننا.

حرية التعبير أم "حرية التكسير"؟

البعض يتوهم أن وجود مساحة للتعبير، أو رصد خطأ فردي، يعطيه "الحق المطلق" في فتح كاميرا الهاتف، والبدء في حفلة سب وقذف علنية للمؤسسات ورجالها.

وهنا وجب التوضيح القاطع: النقد القانوني للأحكام أو الإجراءات حق مشروع، بل هو جزء من ضمانات العدالة نفسها وصمام أمانها، لكن الفارق كالفارق بين السماء والأرض بين النقد القانوني والسباب الشخصي، وبين الاعتراض المؤسسي والتشهير الجماهيري.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين المحامي المحترف، ورجل القانون الذي يخلط بين قاعة المحكمة ومنصة الترفيه:

·         الأول: يعرف أن سلطة القاضي تُناقش بالدفوع والقانون داخل الجلسة، وأن خطأ مأمور الضبط القضائي يُبطل الإجراءات في المذكرة، وأن أي تجاوز يُرفع به بلاغ رسمي للجهات الرقابية والتفتيشية.

·         الثاني: هو الذي يستبدل المذكرة القانونية بالبث المباشر، ويرى أن كاميرا الهاتف هي "محكمة النقض البديلة"، وأن عدد "اللايكات" وتصفيق المتابعين هو حكم البراءة والشهادة التي يحتاجها!

عندما يتحدث "الروب" بلغة "المصطبة"

المفارقة الكبرى أن هؤلاء ينسون أن القانون ليس مجرد نصوص تُحفظ في الصدور، بل هو "سلوك ووقار". فعندما يتحول رجل القانون إلى شخص يقتات على إثارة الجماهير وتوزيع الاتهامات يميناً ويساراً لمجرد حصد المشاهدات، فإنه لا يسيء لنفسه فقط، بل يسيء لمهنة دافع عنها عمالقة التاريخ بالكلمة والحجة والبيان.

الخلاصة يا سادة: إذا أخطأ قاضٍ أو تجاوز رجل شرطة فهناك قانون يحاسب، وجهات رقابية تراجع وتحقق، وإذا أخطأ زميلك ونصحتَه فاستمع للنصيحة أو صَححها بالمنطق. أما استخدام طريقة "وأنت أيضاً" وتبرير التجاوز بالتجاوز، فهو لا يصنع حقاً، بل يحول الساحة القانونية إلى "ملاية لف رقمية" تضيع فيها هيبة القانون.. قبل أن تضيع حقوق الموكلين!

الختام: جمهورية "وأنت أيضاً" السعيدة

يبدو أن بعض الناس اخترعوا مبدأ قانونيًا جديدًا لم يرد في أي تشريع على وجه الأرض:

"إذا أخطأتُ أنا، فابحثوا سريعًا عن شخص آخر أخطأ قبلي، وبذلك يصبح خطئي قانونيًا وأخلاقيًا ومنطقيًا!"

ولو استقرت البشرية على هذا المبدأ العجيب، لما حوسب مجرم، ولا صُحح خطأ، ولا تعلم إنسان من تجربة؛ فكل مذنب سيجد مذنبًا قبله، وكل مخطئ سيعثر على مخطئ أقدم منه، ونعيش جميعًا في جمهورية "وأنت أيضًا" السعيدة، حيث يموت المنطق واقفًا... ثم يُتهم بأنه هو الآخر أخطأ في الماضي!