في زمنٍ باتت فيه منصات التواصل الاجتماعي نافذتنا على العالم، تحوّل كثيرون من مستخدميها إلى أسرى لـ"الترند" والبحث عن الشهرة السريعة، حتى ولو كان الثمن أغلى ما يملكون: كرامتهم وكرامة أسرهم. أصبحنا نرى يوميًا مشاهد لا تصدق… زوج يخرج في بث مباشر ليفضح أسرار بيته ويكشف خصوصيات زوجته، أو زوجة تحكي أمام آلاف المتابعين عن أدق تفاصيل علاقتها بزوجها وتكشف أسرارًا كان يُفترض أن تدفن معها لا أن تتناقلها الألسن. الغريب أن هذه الفضائح لم تعد تثير في الناس الاستنكار، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مادة للسخرية والتسلية، ووسيلة لزيادة عدد المتابعين وتصدّر الترند.

المؤلم في الأمر أن مفهوم "الستر" الذي كان يومًا ما من أسمى القيم في بيوتنا، صار يُستهزأ به أمام جمهورٍ غفير، وبدل أن يُحلّ الخلاف في البيت، يُحلّ عبر التصويت أو التعليق من غرباء لا يعرفون شيئًا عن حقيقة العلاقة. فتتسع الهوة، ويزداد الجرح، ويخسر الجميع… الزوجة، والزوج، والأبناء الذين يقفون عاجزين أمام هذا الانهيار الأخلاقي وهم يشاهدون شرف العائلة يُنهش في العلن.

لقد وصلت الجرأة ببعض الأزواج أن يبتزوا زوجاتهم أو يشوّهن سمعتهن على الملأ إذا حصل خلاف أو طلاق، والعكس صحيح، فكم من زوجة لجأت لتشويه صورة زوجها والتشهير به في لحظة غضب. والمؤلم أن بعض القصص تبدأ بهفوة أو زلة صغيرة، ثم تتحول إلى قضية رأي عام يتدخل فيها القريب والغريب، وتضيع معها فرص الإصلاح.

ورغم أن البعض يبرر فعلته بالرغبة في "فضح الظلم" أو "الدفاع عن النفس"، إلا أن الحقيقة أن معظم هذه الفضائح لا تخرج إلا للانتقام أو لجذب الانتباه أو تحقيق مكاسب شخصية: أرقام، مشاهدات، إعلانات مدفوعة، وربما تعاطف مؤقت يختفي سريعًا ويترك وراءه خرابًا نفسيًا واجتماعيًا. وقد رأينا جميعًا كيف أن قصصًا كهذه غالبًا ما تنتهي بندمٍ كبير، وفضيحة أبدية تلاحق صاحبها وأطفاله وعائلته لسنوات طويلة.

لا شك أن جزءًا كبيرًا من هذه الظاهرة يعود إلى فقدان الثقة في القيم الأسرية، وضعف الوازع الديني، والانشغال بالمظاهر على حساب الجوهر. نحن في زمن صار فيه كل شيء مباحًا من أجل دقائق من الشهرة، حتى ولو كان الثمن ضياع أسرة كاملة وتشويه سمعة أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم جزء من عائلة لا تجيد حل مشاكلها إلا على العلن.

الحل يبدأ من تربية أبنائنا على احترام حرمة البيت وقدسية العلاقات، وعلى أن الخلافات مهما عظمت يجب أن تظل في إطارها الخاص، وأن محاولة إصلاحها يجب أن تتم بالحوار الصادق أو الاستعانة بالحكماء، لا عبر شاشات الهواتف التي لا ترحم. كما يجب أن نستعيد ثقافة الستر ونحذر أبناءنا من الانجرار وراء وهم الترند، ونرسخ فيهم أن الشهرة الزائفة لا تستحق أبدًا فضح الأسرار أو النيل من الكرامة.

ولعل من المهم أن نعيد النظر في دور التعليم والإعلام، ونطالب ببرامج توعية تُعلي من قيمة الأسرة وتحذر من مخاطر مشاركة الخصوصيات على الإنترنت، مع ضرورة وجود قوانين رادعة تحمي الضحايا وتجرّم كل من يعتدي على خصوصية غيره لأي سبب.

في النهاية، الأسرار إذا خرجت من البيت لا تعود أبدًا كما كانت، والكرامة إذا مُسَّت أمام الملايين يصعب استرجاعها. مسؤوليتنا أن نكون قدوة في الصمت عند الغضب، وفي حفظ الأمانة عند الخلاف، وأن نربي أبناءنا على أن الشرف أثمن بكثير من ترند زائل أو ضحكة عابرة. فهل آن الأوان أن نعيد ترتيب أولوياتنا ونحمي بيوتنا من فضائح "السوشيال ميديا"؟