لا يكاد يمر يوم في مجتمعاتنا دون أن نجد أنفسنا وسط موجة جديدة من الإشاعات. ربما يبدأ الأمر برسالة على هاتف، أو منشور عابر على وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى كلمة قيلت في جلسة عائلية وانطلقت كالنار في الهشيم. والأغرب من كل ذلك، أن الأغلبية تندفع خلف الإشاعة بلا أدنى تردد، وكأنها حقيقة لا تقبل الشك. في كل مرة كنت أطرح هذا السؤال على نفسي: لماذا أصبحنا نعشق الإشاعة إلى هذا الحد؟ ما الذي يجعلنا نصدق ما يُقال دون تحقق أو تمحيص؟
الحقيقة أن الإشاعة لم تعد مجرد قصة ملفقة أو معلومة غير مؤكدة، بل تحولت عند كثيرين إلى جزء من يومهم، وربما مادة للضحك أو موضوعًا للحوار، وأحيانًا وسيلة لتنفيس الكبت أو التسلية. البعض يبرر ذلك بقوله "مللنا من الواقع القاسي"، وآخرون يظنون أن تداول الإشاعة يمنحهم شعورًا بالانتماء للجماعة أو معرفة أسرار خفية عن الآخرين، وهناك من يرى في الأمر متعة التوقعات والمفاجآت، حتى لو كان الثمن هو بث القلق أو تشويه السمعة.
من السهل أن نلوم الناس، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. جزء كبير من تعلقنا بالإشاعات يعود لغياب ثقافة التحقق وحب المعرفة الحقيقية. نحن نعيش في زمن صارت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، لكن القليل من الناس يكلّف نفسه عناء البحث أو التأكد من المصدر. أصبحنا أسرى السرعة، نبحث عن الخبر الطازج، ولا يهم إن كان صحيحًا أو ملفقًا، يكفينا أن نشعر بأننا أوائل من عرفوا القصة وسبقوا الآخرين بنشرها.
وربما تعود جذور هذه الظاهرة أيضًا إلى نقص الثقة في المؤسسات أو المصادر الرسمية. كثير من الناس لم يعودوا يثقون في الأخبار الرسمية أو التصريحات الحكومية، فيبحثون عن روايات بديلة، حتى لو كانت مجرد خيال أو مؤامرة. وفي ظل هذا المناخ، تنمو الإشاعة وتزدهر كأنها زهرة سامة، تقتل الحقيقة بهدوء.
لكن، هل نحن عاجزون عن تغيير هذا الواقع؟ بالتأكيد لا. البداية دائمًا من أنفسنا، من قرار واعٍ بأن لا نكون جزءًا من دائرة تكرار الأكاذيب. أن نسأل دائمًا: هل هذا الكلام صحيح؟ من أين أتى؟ هل يرضيني أن أكون سببًا في نشر قلق أو تشويه صورة إنسان بريء؟ وأن نتعلّم متعة البحث لا مجرد النقل، ونغرس ذلك في أبنائنا وأصدقائنا. الحل الحقيقي يبدأ داخل الأسرة، فبناء جيل يملك القدرة على التفكير النقدي لا يتحقق إلا بتربية قائمة على القيم الأصيلة، والعودة للاهتمام بالتعليم الذي يعلّم أبناءنا كيف يفرّقون بين الحقيقة والوهم قبل أن ينقلوا أو يصدّقوا. حين تعود الأسرة لمكانتها، ويصبح التعليم هو الطريق الأول، سنجد أنفسنا أمام مجتمع أكثر وعيًا، وأقل قابلية للسقوط في فخ الإشاعات. الحياة أجمل حين نعيشها بنقاء، لا نلوثها بما لا نعرفه، ولا نملأها بما يضر ولا ينفع. مسؤوليتنا جميعًا أن نبني مجتمعًا يقدس الحقيقة ويزهد في الوهم، فهل نبدأ اليوم؟
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.