في غمرة التحولات الرقمية، استحدث الفضاء الإلكتروني مهنة فريدة تتجاوز تصنيفات علم الاقتصاد الكلاسيكي؛ مهنة تجمع في بطاقة تعريفية واحدة وظائف: الواعظ، والمحلل الجنائي، وخبير التسويق، وجابي الضرائب الأخلاقية. إنها مهنة "المناضل الشامل، عابر المنصات".
يبدأ هذا الكائن الفريد يومه بإعلان بياني صارم يطلقه بنبرة المصلح الزاهد:
"الجميع بلا استثناء يتاجرون بالقضايا ويمتصون دماء الأبرياء... إلا أنا!"
ثم، ولشدة إخلاصه لزهده، يفتح بثاً مباشراً يمتد لأربع ساعات متواصلة، ليشرح للجمهور كيف أن الآخرين "يبحثون عن المشاهدات والأموال"! وإذا تجرأ متابع وسأله: "عفواً، وما الذي تفعله أنت الآن خلف هذه الشاشة المحاطة بإعلانات التمويل؟" نظر إليه باستنكار شديد، كمن يسأل السمكة عن سر تورطها في السباحة داخل الماء.
هذا الكائن يعلن حرباً مقدسة على الشهرة والتريندات ويصفها بالرخص، لكنه في الوقت ذاته يحفظ حركة العدادات ونسب المشاهدة بالثانية. هو يحتقر "اللايكات"، ولكن إذا غادر البث خمسون شخصاً فقط، تُعلن حالة طوارئ وطنية ويبدأ البحث عن مؤامرة كونية تقف خلف هذا الانهيار الجماهيري المفاجئ!
أما ملف "التبرعات"، فهو تحفة فلسفية استعصت على كبار فقهاء المال، فالقاعدة الذهبية في قاموسه تقول: الأموال التي تطلبها مؤسسات المجتمع هي "شحاتة ومتاجرة"، أما التي تتدفق إليه فهي "دعم للحق وضريبة صمود".
العجيب أن التعريفات الأخلاقية نفسها تتبدل في أجزاء من الثانية، بمجرد تبدل اسم المستفيد ورقم الحساب.
الشق الأكثر إمتاعاً هو معركته ضد "الإساءة والتجريح". يعلن كل خمس دقائق أنه يترفع عن مستنقع الشتائم، ثم يقضي الساعة التالية في توزيع صكوك العمالة والتشبيهات السريالية التي لو سمعها قاموس اللغة العربية لطلب إجازة مرضية. وإذا واجهته بتناقضه، أجابك بدم بارد: "أنا لا أسيء لأحد، أنا فقط أصف الواقع".
هنا تحديداً، يعيش المشاهد تجربة ذهنية تشبه رؤية شخص يحمل مطرقة حديدية ضخمة، يهشم بها النوافذ زجاجاً بعد زجاج، وهو يلقي على المارة محاضرة تنويرية عن "أهمية المحافظة على البيئة المعمارية".
في النهاية، يكتشف المتابع أن هذا الكائن لا يملك موقفاً ثابتاً من أي قيمة؛ فالصوت العالي دليل ضعف.. إلا إذا كان صوته، وتوجيه الرأي العام جريمة.. إلا إذا كان هو من يوجهه. لقد اخترع "مرآة سحرية" يرى فيها عيوب العالم بأسره.. باستثناء الشخص الذي يقف أمامها.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في هذا الكائن العجيب، فالتاريخ عرف أمثاله كثيراً. المشكلة الحقيقية تكمن في آلاف الناس الذين يجلسون كل ليلة ليستمعوا إلى رجل يهاجم الشهرة وهو يعد المشاهدات، ويهاجم التسول وهو يجمع التبرعات، ويهاجم التحريض وهو يحرض، ويهاجم الكذب وهو يغير الرواية كلما تغير اتجاه الريح...
ثم يخرج الجميع من البث مقتنعين تماماً، وبكل فخر، أنهم حضروا للتوّ دورة مكثفة في الأخلاق! إنها الحالة الفيزيائية الوحيدة التي نجح فيها الإنسان في جمع "المادة وضد المادة" في مكان واحد.. دون أن ينفجر الكون.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.