فــي عالم المحاماة هناك مقولة
شهيرة تُقال على سبيل المزاح المهني:
"إذا كان القانون في صفك
فتحدث عن القانون، وإذا كانت الوقائع في صفك فتحدث عن الوقائع… أما إذا غاب
الاثنان، فحاول أن ترفع مستوى الضجيج."
وبصراحة… يبدو أن جلسة الأمس في قضية "عروس بورسعيد" قررت أن تُحوِّل هذه المزحة إلى عرض عملي حي أمام الجميع.
تعالوا نراجع المشهد بهدوء، بعيدًا عن الانفعال، وبعيدًا أيضًا عن تحويل أي قضية جنائية إلى موسم جديد من برامج "التريندات القضائية".
المشهد الأول: طلب "رد المحكمة".. الزر السحري الذي يعتقد البعض أنه يصلح لكل شيء
أحد أكثر الأمور تداولًا بالأمس كان طلب رد المحكمة، وكأن البعض يتعامل مع الأمر باعتباره "زر إعادة تشغيل" يُستخدم كلما لم تسر الجلسة بالاتجاه المتوقع.
والحقيقة القانونية ببساطة شديدة أن "رد المحكمة" ليس أداة اعتراض على القرارات التي لا تعجب أحد الأطراف، وليس وسيلة لإعادة ضبط أجواء الجلسة نفسيًا. القانون المصري حدد حالات الرد على سبيل الحصر، مثل وجود مصلحة مباشرة أو خصومة أو سبب جدي يمس الحياد.
أما اختلاف الدفاع مع إدارة المحكمة للجلسة أو رفض بعض الطلبات، فذلك يدخل أصلًا ضمن السلطة التقديرية الطبيعية للمحكمة، لأنها ببساطة هي المسؤولة عن ضبط إيقاع الدعوى ومنع تحولها إلى جلسة مفتوحة بلا نهاية.
بمعنى أبسط:
القاضي ليس موظف خدمة عملاء
حتى نطلب "مشرف أعلى" كلما لم تعجبنا الإجابة.
المشهد الثاني: عندما يتحول الصوت العالي إلى استراتيجية دفاع
المشهد الذي لاحظه الجميع تقريبًا كان حالة التوتر وارتفاع نبرة الحديث داخل الجلسة، وكأن بعض الحاضرين اعتقدوا أن قوة الحجة تُقاس بعدد الديسيبل لا بعدد النصوص القانونية.
وهنا يجب التفرقة بين أمرين:
الاعتراض القانوني حق أصيل
للدفاع، بل واجب أحيانًا… لكن الحفاظ على وقار المحكمة أيضًا جزء من هيبة العدالة
نفسها.
المحكمة ليست "لايف تيك توك"، وليست ساحة لإثبات من يستطيع الإمساك بالميكروفون لفترة أطول. هي مكان يُفترض أن تُدار فيه الخصومات بالعقل لا بالانفعال.
والقانون أصلًا أعطى لرئيس الجلسة صلاحيات كاملة للحفاظ على النظام داخل القاعة، لأن العدالة لا يمكن أن تعمل وسط الفوضى أو الاستعراض.
المشهد الثالث: طلبات قانونية أم فقرات لإطالة الحلقة؟
من حق أي دفاع أن يطلب ما يراه
محققًا لمصلحة موكله، وهذا حق مقدس لا خلاف عليه.
لكن هناك فارقًا بين
"الدفاع الجوهري" الذي قد يغير وجه القضية فعلًا، وبين الطلبات التي
يشعر المتابع أحيانًا أنها أقرب لمحاولات إطالة زمن الحلقة حتى إشعار آخر.
القاضي الجنائي في النهاية لا يحكم بناءً على الضجيج الإلكتروني، ولا على التعليقات، ولا على حملات التعاطف، بل يحكم وفق أوراق وتحقيقات وأدلة وقرائن.
ولهذا فمحاولة تصوير المحكمة كأنها "خصم شخصي" للمتهمة لا يخدم العدالة ولا يخدم حتى فكرة الدفاع نفسها، بل قد يُحوّل القضية من نقاش قانوني إلى معركة رأي عام.
كلمة أخيرة… بهدوء فعلًا
من الطبيعي أن تختلف مع قرار
قضائي، ومن الطبيعي أن تتمسك بدفاعك حتى آخر لحظة، فهذا حق قانوني كامل.
لكن تحويل كل جلسة إلى حالة
صدام مع المحكمة لا يصنع بطولة، ولا يغير من حقيقة أن العدالة لها إجراءات، ولها
هيبة، ولها مسار لا يُدار بالصوت المرتفع ولا بالعناوين المثيرة.
وبالبلدي كده...
المرافعة ليست مسابقة "من يصرخ أكثر". والقاضي لا يُرهب بالضجيج. والقضايا الجنائية لا تُحسم بالتريندات.
تعالى أقولك بهدوء:
حين تكون الحجة قوية… لا تحتاج مكبر صوت.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.