فــي كوكبٍ موازي لا نعرف كيف ظهر، ولا لماذا ما زال قائمًا حتى الآن، يعيش نوع غريب جدًا من البشر. كائنات تستطيع أن تقول الشيء وعكسه في نفس الجملة، ثم تنظر إليك بثقة وكأنها ألقت محاضرة في المنطق والفلسفة والفيزياء النووية معًا، بينما أنت تقف أمامها تحاول فقط أن تتأكد أن أذنيك ما زالتا تعملان بشكل طبيعي ولم تتحولا إلى سماعات بلوتوث مضروبة.
في هذا الكوكب العجيب، يمكن لشخص أن يقول لك: "هو إنسان محترم جدًا، بس قليل الأدب شوية"، أو "أنا لا أحب الكذب إطلاقًا، وصدقني أنا متأكد من اللي سمعته من واحد صاحبي عن واحد صاحبه"، أو تلك التحفة الفنية الخالدة: "أنا لا أتدخل في شؤون الناس أبدًا... بس تعالى أقولك حصل إيه عند الجيران". والأجمل أن الجميع يهزون رؤوسهم موافقة، وكأن الكلام مرّ على لجنة علمية واعتمدته بعد ثلاث سنوات من الأبحاث.
والغريب فعلًا ليس المتحدث، لأن المتحدث غالبًا يعيش في حالة انسجام تام مع نفسه، بل ربما يظن أنه سقراط زمانه. الكارثة الحقيقية هي المستمع. ذلك الكائن الهادئ الذي يجلس أمام كل هذا الانفجار المنطقي، ثم يحتسي الشاي ويقول: "فعلاً عندك حق". لا يسأل، لا يتعجب، لا يشعر حتى بأن هناك شيئًا غريبًا حدث. وكأن العقل في هذا العصر أصبح مجرد قطعة ديكور داخل الجمجمة، مثل لمبة النيون القديمة الموجودة في المطبخ ولا أحد يعرف لماذا ما زالت معلقة رغم أنها لا تعمل منذ 2007.
أصبحنا نعيش زمنًا تستطيع فيه أن ترى شخصًا يمسك بطنه ويتألم، ثم يشرح بثقة أن السبب "البواسير"، والجميع من حوله يومئون بتفهم شديد، وكأن الجهاز الهضمي والبواسير أصبحا قسمًا واحدًا في كلية الطب الحديثة. لا أحد يسأل: "عفوًا... ماذا؟". لا، هذا السؤال انقرض تقريبًا، لأنه يحتاج إلى استخدام ذلك العضو المنسي الذي كان يُسمى قديمًا "العقل".
بل إن بعض الناس وصلوا إلى مرحلة روحانية متقدمة جدًا؛ مرحلة يمكنهم فيها الدفاع عن المتهم والضحية في نفس الوقت، والتعاطف مع الجاني والمجني عليه، واتهام الجميع وتبرئة الجميع في الدقيقة نفسها، دون أن يشعروا بأي دوار. شيء يشبه أن يشجع شخص فريقين متنافسين في نهائي كأس العالم، ثم يغضب لأن المباراة انتهت بفائز وخاسر. هو يريد كل شيء وعكسه، وكلما زاد التناقض زادت ثقته بنفسه، لأن المنطق بالنسبة له نوع من أنواع التعقيد غير الضروري.
والمصيبة أن هذه العدوى أصبحت تنتقل بسرعة مخيفة. تجلس لتشاهد نقاشًا، فتكتشف بعد خمس دقائق أن لا أحد يعرف ماذا يقول أصلًا، لكن الجميع غاضب، والجميع يصرخ، والجميع مقتنع أنه يمتلك الحقيقة الكاملة. تشعر وكأنك دخلت إلى سيرك ضخم يديره مهرجون يحملون ميكروفونات بدل الأنوف الحمراء. أحدهم يقول: "لا تصدقوا الإشاعات"، ثم يبدأ في نشر عشرين إشاعة دفعة واحدة. وآخر يقول: "نحن نريد الهدوء"، وهو يصرخ لدرجة تجعل الجيران يظنون أن حربًا أهلية بدأت في الصالة.
والأخطر من كل ذلك، أن كثرة التعرض لهذا العبث تجعل الإنسان يعتاده. يصبح التناقض أمرًا طبيعيًا، ويصبح التفكير نوعًا من التعالي، ويصبح السؤال البديهي جريمة اجتماعية. فإذا قلت لأحدهم: "لكن كلامك يناقض بعضه"، نظر إليك وكأنك ارتكبت خيانة عظمى ضد الإنسانية. كيف تجرؤ على استخدام المنطق وسط كل هذا الاحتفال الجماعي بالهبد؟
لهذا، أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس الكذب وحده، بل أن يصبح التناقض أمرًا عاديًا، وأن يتوقف الناس عن ملاحظة العبث أصلًا. حينها لا يعود هناك فرق بين الحقيقة والضوضاء، ولا بين الشهادة والتمثيل، ولا بين العقل والفوضى. يتحول كل شيء إلى خليط غريب من الصراخ والمشاعر والتناقضات، ثم يخرج علينا أحدهم ليقول بثقة: "المهم نفكر بعقلانية".
وعند هذه الجملة تحديدًا… يحق لك أن تضحك، أو تبكي، أو تبحث عن أقرب طبيب أعصاب.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.