في بلادنا، تجلس الكلمات على عروش عالية.
نحن بارعون في الحديث، ماهرون في اختراع العبارات، أساتذة في إلقاء الخطب الطويلة، ومهندسون في بناء جسور المجاملة من هنا إلى آخر الدنيا…
ولو حُسبت إنجازاتنا بعدد رسائل "كل سنة وأنت طيب"، أو بعدد التصفيقات الحارة في حفلات التكريم، لكنا في مقدمة الأمم دون منازع!

لكن الواقع، يا صاحبي، لا يُقاس بكمية الكلام بل بوزن الأفعال. في كل مناسبة، صغرت أم كبرت، ستسمع كلمات الإطراء تحيط بك من كل جانب:

  • "أنت أعظم إنسان عرفته!"

  • "لو لم تكن فينا، لانتهت الحياة!"

  • "سنقف جميعًا خلفك، معك في السراء والضراء!"
    وما إن تبتعد قليلاً، حتى تكتشف أن كل تلك الجيوش من المؤيدين تبخرت مع أول هبة ريح، وبقيت وحدك، تتساءل: أين ذهبت الأصوات؟ وأين اختفى رتل المحبين؟

تعال نفتح قلب الصراحة قليلاً…
كم مرة رأيت مشروعًا جادًا يبدأ بين مجموعة من المتحمسين، فإذا اجتمعوا، بدأوا الحديث عن الأحلام الكبيرة:

  • "سنغير العالم!"

  • "يكفي أن نتحرك خطوة واحدة!"

  • "يد الله مع الجماعة!"
    ثم ما تلبث العبارات أن تتكاثر وتتعالى، حتى يصبح الاجتماع ماراثون مجاملات،
    كلٌ يهنئ الآخر بفكرته، وكل واحد ينتظر أن يقوم غيره بالفعل…
    وفي اليوم التالي، يعود الجميع إلى روتين الحياة، ويختفي المشروع، وتبقى الرسائل محفوظة في أرشيف الذكريات:
    "برافو يا بطل! أنت فعلاً قدوة!"

في حفلات الزفاف، ينهال الناس بالتهاني…
في الجنائز، يفيضون بمواساة لا توصف…
في حفلات التكريم، يُطيلون التصفيق حتى يؤلمهم الكف، ثم ينصرفون وكأن شيئًا لم يكن!
كل هذا جميل لو كان بدايةً لعمل، أو دافعًا لفعل، لكنه يصبح قناعًا مهترئًا حين يتحول إلى عادة بلا أثر.

أما عن "الدعم المعنوي"، فحدّث ولا حرج!
تجد صديقك يغرق في مشكلته، فتسمع ممن حوله:
"كلنا معك!"
"أنت لست وحدك!"
"نحن ظهرك وسندك!"
لكن جرب أن تطلب عونًا حقيقيًا، ستكتشف أن سندك الحقيقي هو ظلك، وأن من يصدقك بالفعل ربما يعد على أصابع يد واحدة.

مجتمعنا يا صديقي يغرق في المجاملة…
لا لشيء إلا لأن قول الكلمة أسهل من صنع الفعل، وأن تكون محبوبا ومقبولاً أهم عند البعض من أن تكون صريحًا أو فاعلاً أو حتى صادقًا مع نفسك.

أيها الناس،
دعونا نقلّل قليلاً من "الكلام الطيب" إذا لم يكن وراءه فعل طيب…
لا تبارك لي إنجازًا لم تساهم فيه، ولا تصفق لي من بعيد إن لم تمد يدك معي عند الحاجة.
المجاملة الطيبة لا تعني النفاق، لكن حين تصبح عادة تسدّ مكان العمل، تصبح مرضًا يصعب علاجه.

ليتني أرى يومًا نضع فيه نصف طاقتنا في الفعل كما نضعها في التهاني والتحفيز والتصفيق.
ليت الشجاعة تصبح موضة رائجة، وشهامة الفعل أغلى من بلاغة الكلام.

عتابي ليس قسوة… بل رجاءٌ لمن أحب.
وأنا أولكم أعترف: كلنا نقع في فخ الكلام الجميل، فدعونا نتعاون على أن يكون لكل كلمة ظل من الحقيقة، وأن يصبح فعلنا دليل حبنا، لا مجرد قصيدة طويلة في دفتر المجاملات.

يا أمة الكلام، جربوا ذات يوم أن تصنعوا مجدكم بالفعل، وسترون أن الإنجاز الحقيقي… لا يحتاج تصفيقاً، بل يصفق لنفسه بصمت!


شاركنا في التعليقات:
هل شعرت يومًا أنك غُمرت بالثناء ولم تجد من يقف معك حين احتجت الفعل؟
ما الذي يمنعنا عن الصراحة والعمل، ويدفعنا للمبالغة في المجاملات؟
شاركنا رأيك أو قصة من حياتك جعلتك تكتشف الفرق بين من يتكلم ومن يفعل.