التوحد في الأجيال الأكبر سنا: لغز غير مُحل

يُمثّل ازدياد تشخيصات التوحد بشكل حاد في العقود الأخيرة لغزاً محيراً للباحثين، حيث يُشكّك البعض في صحته ويطرحون فرضية أن هذه الحالة ربما تكون جديدة أو ناجمة عن عوامل بيئية حديثة. ولكن، تكشف مراجعة شاملة للأبحاث التي أجريت على البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 40 عاماً صورة مختلفة تماماً.

تُظهر الأبحاث أن التوحد يمتد إلى الأجيال الأكبر سناً، حيث أن نسبة كبيرة من هذه الفئة العمرية لم يتم تشخيصها بشكل صحيح، إذ تصل النسبة إلى 90% حسب تقرير نشره موقع New Atlas بناءً على دراسة شاملة. ويؤدي هذا التأخير في التشخيص إلى عواقب وخيمة على الصحة والرفاهية وجودة الحياة.


تُشير الدراسات إلى أن الأفراد الذين يتم تشخيصهم بالتوحد بعد سن الأربعين يكونون أكثر عرضة للإصابة بالخرف بأربعة أضعاف، كما أنهم أكثر عرضة للأفكار الانتحارية بستة أضعاف. ويقل متوسط العمر المتوقع لديهم بحوالي ست سنوات عن أقرانهم غير المصابين بالتوحد.

وتُظهر دراسة جديدة ركزت على البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و59 عاماً، والتي أجرتها جامعة كينغز كوليدج لندن، أن حوالي 89% من هؤلاء الأفراد لم يتم تشخيصهم بشكل صحيح، وهذا يعني أنهم قد لا يحصلون على الدعم الذي يحتاجونه.

التشخيص المتأخر والآثار المترتبة عليه

يقول الدكتور جافين ستيوارت، الباحث الرئيسي في الدراسة: "إن التشخيص المتأخر للتوحد لدى البالغين يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة، فهؤلاء الأفراد قد لا يحصلون على الدعم النفسي أو الاجتماعي المناسب، مما قد يزيد من شعورهم بالعزلة الاجتماعية وتدهور صحتهم".

بالإضافة إلى التحديات الصحية العقلية، يُعاني كبار السن المصابون بالتوحد من معدلات أعلى من الحالات الخطيرة مثل أمراض المناعة وأمراض القلب واضطرابات الجهاز الهضمي. كما أنهم أكثر عرضة لمشاكل مرتبطة بالعمر مثل مرض باركنسون وهشاشة العظام والتهاب المفاصل.

نمط عالمي مُشابه

وتُظهر البيانات أن هذا النمط من نقص التشخيص يُطبق على جميع أنحاء العالم، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفعت معدلات تشخيص التوحد بشكل ملحوظ بين عامي 2011 و2022، خاصة بين الشباب والإناث والأطفال من بعض الأقليات العرقية أو الإثنية. وهذا يُشير إلى أن هذه الفئة السكانية المتنامية قد لا تتلقى الدعم المناسب لاحتياجاتها المعقدة.

ووفقاً لنتائج دراسة أجريت عام 2024، كان هناك طفل واحد من كل 150 طفلاً وُلدوا في عام 1994 وتلقى تشخيص التوحد عند تقييم البيانات في عام 2000. أما الآن، في عام 2024، فقد ارتفع هذا المعدل ليصل إلى طفل واحد من كل 31 طفلاً وُلدوا بعد عقدين من الزمن.

توسيع نطاق الدعم والوعي

وتُؤكد الباحثة فرانشيسكا هابي أن فهم احتياجات الأشخاص المصابين بالتوحد مع تقدمهم في السن يُمثّل مصدر قلق عالمي ملح في مجال الصحة العامة. وتقول: "مع تقدم المصابين بالتوحد في السن، تتغير طبيعة التحديات التي يواجهونها. يجب تبني نهج شامل قائم على مدى الحياة، بما في ذلك تمويل الأبحاث طويلة الأمد وتوفير الرعاية الصحية المُصممة خصيصاً وتوسيع نطاق الدعم الاجتماعي".

وتضيف هابي أن التشخيص والعلاج يميلان نحو الأطفال حالياً، وهذا يجب أن يتغير إذا أردنا تحسين حياة كبار السن المصابين بالتوحد.