هذه القصة رمزية بالكامل، ولا تشير إلى أشخاص حقيقيين أو قضية بعينها، وإنما تهدف إلى التأمل في كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة أن تثير أسئلة حول الروايات المختلفة للأحداث.

في قرية الصمت، لم يكن الناس ينسون الحكايات بسهولة. قد تتوقف الأحاديث عنها في الأسواق والطرقات، لكن القصص التي تحمل ألماً حقيقياً تبقى دائماً في الذاكرة، تنتظر لحظة يعود فيها أحد ليتأملها من جديد.

مرت الأيام، ثم الأسابيع، ثم بدأت الحياة في القرية تعود ببطء إلى إيقاعها القديم. عاد الناس إلى حقولهم، وعادت الأبواب تُفتح في الصباح وتُغلق في المساء كما كانت دائماً. لكن رغم هذا الهدوء، بقيت حكاية "زهرة" حاضرة في العقول مثل سؤال لم يجد بعد إجابته.

لم يعد أحد يتحدث بصوت عالٍ عن تلك الليلة، لكن بعض أهل القرية كانوا يشعرون أن التفاصيل الصغيرة التي ظهرت في الحكاية لم تكن مجرد صدفة عابرة. فالقصص، كما يقول الحكماء، قد تُروى بالكلمات، لكن الحقيقة كثيراً ما تختبئ في الأشياء الصامتة التي تتركها الأحداث خلفها.

وفي إحدى الأمسيات، جلس شيخ القرية تحت شجرة قديمة في طرف الطريق، يتحدث مع بعض الشباب الذين كانوا ما يزالون يتساءلون عن تلك الحكاية. لم يقل الشيخ إن أحداً مذنب، ولم يذكر أسماء، لكنه قال شيئاً بسيطاً جعل الجميع يصمت للحظة.

قال إن الحقيقة لا تختفي دائماً خلف الجدران العالية أو الأبواب المغلقة. أحياناً تختبئ في تفاصيل صغيرة يمر الناس بجانبها دون أن ينتبهوا لها، مثل خدشٍ في جدار، أو أثرٍ في التراب، أو مرآة صغيرة قيل إنها بقيت في يد عروس حتى اللحظة الأخيرة.

وأضاف الشيخ أن المرايا لا تصنع القصص، لكنها تعكسها فقط. فإذا كان انعكاس الصورة غريباً، فربما يعني ذلك أن هناك شيئاً في المشهد لم يُفهم بعد كما ينبغي.

صمت الشباب قليلاً، ثم قال أحدهم إن القرية ربما لم تكن بحاجة إلى كثير من الكلام لتفهم ما حدث. فالأسئلة التي ظلت معلقة في الهواء كانت كافية لتجعل كل من يفكر قليلاً يشعر بأن الحكاية أكبر من الرواية التي قيلت في البداية.

ابتسم الشيخ بهدوء وقال إن الزمن أحياناً يفعل ما لا تفعله الكلمات. فالحقيقة، مهما حاول الناس إخفاءها أو الهروب منها، تشبه الضوء الذي يتسلل من بين شقوق الجدران؛ قد يتأخر، لكنه لا يضيع.

ثم أشار بيده نحو الطريق الطويل الذي يخرج من القرية وقال إن العدالة لا تسير دائماً بسرعة، لكنها في النهاية تصل إلى المكان الذي يجب أن تصل إليه.

وفي تلك اللحظة، فهم بعض من كانوا يجلسون هناك أن المرآة التي ظهرت في الحكاية لم تكن مجرد تفصيلة عابرة. ربما كانت رمزاً لشيء أبسط بكثير: أن الحقيقة، مهما حاولت أن تختبئ، تجد دائماً طريقها إلى العيون التي تريد أن ترى.

ومنذ ذلك المساء، بقيت حكاية "زهرة" تتردد في القرية كذكرى مؤلمة، لكنها أيضاً كدرس لا ينساه الناس بسهولة: أن القصص قد تُروى كما يريدها أصحابها، لكن الحقيقة في النهاية تُروى كما هي.

ويقول أهل القرية حتى اليوم إن المرآة التي لم تسقط في تلك الليلة لم تكن شاهدة على لحظة واحدة فقط، بل على حكاية كاملة لم تنتهِ بعد… حكاية تنتظر فقط من يجرؤ على النظر فيها جيداً.

يقولون إن المرايا لا تكذب، بل تعكس فقط ما يقف أمامها. ولهذا بقيت مرآة زهرة تنتظر… من يجرؤ على النظر فيها جيداً. "ماهر عبد الشكور"