هذه القصة رمزية بالكامل، ولا تشير إلى أشخاص حقيقيين أو قضية بعينها، وإنما تهدف إلى التأمل في كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة أن تثير أسئلة حول الروايات المختلفة للأحداث.
في قرية الصمت، لم تنتهِ الحكاية عند الاعتراف الذي هبط على القرية كقصة جاهزة. فالقرويون، الذين اعتادوا سماع الحكايات البسيطة، وجدوا أنفسهم هذه المرة أمام تفاصيل كثيرة لا تشبه القصص السهلة.
كان هناك دائماً من يهمس: أحياناً لا تكفي الكلمات لفهم ما حدث، لأن بعض الإجابات قد تكون مكتوبة في الأشياء الصامتة التي تركتها الحادثة وراءها.
قالت الرواية الأولى إن امرأة ضعيفة اعترفت بما حدث. لكن بعض الحكماء في القرية لم يتوقفوا عند الاعتراف نفسه، بل نظروا إلى ما قيل عن جسد "زهرة" حين وُجد، وإلى ما حملته تلك التفاصيل من أسئلة.
فـ"زهرة"، كما عرفها أهل القرية، كانت فتاة قوية البنية، شابة في ريعان عمرها. ولهذا تساءل بعضهم بهدوء: كيف يمكن لحكاية بسيطة أن تفسر مأساة بهذا الحجم؟ وهل يمكن لقصة قصيرة أن تحتوي كل ما حدث في تلك الليلة؟
ومع مرور الأيام، بدأ بعض أهل القرية يلتفتون إلى مكان الحادث نفسه. كانت هناك غرفة في الطابق الأرضي، وسرير يجاور نافذة تطل على الخارج. لم يقل أحد إن النافذة شهدت ما حدث، لكن وجودها في قلب المشهد جعل بعض العقول تتساءل إن كانت القصة التي رويت كاملة بالفعل، أم أن بعض فصولها بقيت خارج الرواية.
كما لاحظ البعض أن آثار التراب التي وُصفت على قدمي زهرة بدت غريبة في نظر من يعرف طبيعة البيوت القديمة. فالتراب لا يصل إلى القدمين هكذا دون حركة، ولا يلتصق بالملابس النظيفة إلا إذا مرت الأقدام أو الأجساد عبر الأرض قبل أن يستقر كل شيء في النهاية.
لم يكن هذا دليلاً على شيء، لكنه كان سؤالاً آخر يضاف إلى أسئلة كثيرة بدأت تتشكل في أذهان أهل القرية.
وفي الخارج، كانت هناك فتاة تجلس مع أم زهرة. قالت إنها كانت تمر بلحظة ألم مفاجئة، وبكت كثيراً في تلك اللحظات. لم يشكك أحد في دموعها، لكن بعض كبار السن في القرية كانوا يعرفون أن الحزن الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى كلمات، وأن الدموع أحياناً قد تأتي لأسباب كثيرة لا يعرفها من يراها.
ومع مرور الوقت، بدأ القرويون يلاحظون شيئاً آخر. فقد بدت الروايات التي تحكي ما حدث وكأنها تتغير قليلاً كلما رويت من جديد، وكأن كل رواية تحاول أن تغلق الباب على الأسئلة قبل أن تكتمل.
في تلك القرية الصغيرة، لم يكن هناك محققون ولا قضاة، لكن كان هناك شيء واحد يملكه كل إنسان: القدرة على التفكير.
ولهذا قال أحد الشيوخ ذات مساء إن الاعترافات، رغم أهميتها، ليست دائماً نهاية الحكاية. أحياناً تكون بداية فصل جديد، لأن الحقيقة قد تختبئ خلف الكلمات كما تختبئ خلف الأشياء.
فالمرآة التي ظهرت في القصة لم تكن مجرد مرآة، بل كانت رمزاً لما قد تعكسه التفاصيل الصغيرة عندما ينظر إليها الناس بتمعن.
وربما لهذا السبب بقيت تلك المرآة، التي قيل إنها لم تسقط من يد زهرة، حاضرة في ذاكرة القرية أكثر من أي شيء آخر.
لأن المرايا، كما يقول
الحكماء، لا تكشف الوجوه فقط…
بل تكشف أحياناً ما يقف خلفها
أيضاً.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.