في بعض الأحيان لا تستطيع
الصحافة أن تقول كل شيء بشكل مباشر. فهناك قضايا مؤلمة، وأحداث لا تزال في يد
العدالة، تجعل الكلمة الصريحة ثقيلة أو سابقة لأوانها. لكن التاريخ يخبرنا أن
الحقيقة تملك دائماً طرقاً أخرى للظهور، حتى لو جاءت في صورة حكاية رمزية أو قصة تبدو
في ظاهرها خيالية. هذه القصة ليست تحقيقاً، ولا اتهاماً لأحد، بل مجرد حكاية عن
قرية بعيدة وأناس عاشوا فيها حادثة غريبة. وربما يجد القارئ في تفاصيلها ما يدعوه
للتفكير… فالتفاصيل الصغيرة كثيراً ما تكون أصدق من الروايات الكبيرة.
في قرية بعيدة عن المدن، حيث الطرق الترابية أطول من الذاكرة، وحيث الليل أعمق من أن تضيئه مصابيح قليلة، وقعت حكاية غريبة لم يستطع أهل القرية نسيانها. كانت القرية هادئة كعادتها، يعيش الناس فيها حياة بسيطة، يعرف بعضهم بعضاً، ولا يحدث فيها الكثير مما يستحق الحديث. لكن في أحد البيوت، وفي ليلة كان يفترض أن تكون بداية حياة جديدة، تغير كل شيء.
في ذلك البيت كانت هناك عروس اسمها زهرة. لم تكن زهرة مختلفة عن غيرها من الفتيات؛ كانت تحمل أحلاماً بسيطة، وفستاناً أبيض، وقصة حياة كانت على وشك أن تبدأ. لكن تلك البداية لم تأتِ أبداً. ففي صباح ثقيل استيقظت القرية على خبرٍ موجع: العروس التي كانت بالأمس تضحك وتخطط لحياتها، وُجدت جثة هامدة داخل البيت.
لم ير أحد ما حدث، ولم يسمع أحد شيئاً واضحاً. فالمكان كان هادئاً بعيداً عن العيون، ولم يكن هناك شهود يمرون صدفة في تلك اللحظة. لكن رغم هذا الصمت، كانت هناك تفاصيل صغيرة تركتها الحادثة وراءها، تفاصيل بدت عادية في البداية، لكنها مع مرور الوقت أصبحت تثير تساؤلات كثيرة.
من بين تلك التفاصيل ما قاله بعض من كانوا في البيت، حين ذكروا أن زهرة وُجدت ممسكة في يدها مرآة صغيرة وهاتفاً. توقف بعض أهل القرية عند هذه التفصيلة طويلاً. فالمرآة عادة تسقط من اليد عند أول ارتعاشة خوف، والهاتف يسقط عند أول محاولة دفاع عن النفس. ومع ذلك بقي الاثنان ثابتين في يد العروس كما لو أنهما جزء من مشهد صامت لم يكتمل تفسيره بعد. بعض الحكماء في القرية قالوا إن الأشياء لا تبقى في اليد هكذا إلا إذا وُضعت بعد أن انتهى كل شيء، لكن الحكماء في القرى البعيدة نادراً ما يجدون من يستمع إليهم.
وفي نفس البيت ظهرت تفصيلة أخرى أثارت الانتباه. كانت هناك فتاة قالت إنها صُدمت من المشهد حين رأت ما حدث، وأن يدها ارتطمت بالحائط من شدة الصدمة. لكن يدها كانت تحمل خدوشاً صغيرة جعلت بعض الناس يتساءلون. فالحوائط في القرى القديمة معروفة بصلابتها، لكنها لا تترك عادة آثاراً تشبه آثار الأظافر. ولهذا قال بعض كبار السن إن الجدران لا تخدش الناس، بل الناس هم من يتركون آثارهم على الجدران عندما يحاولون الإمساك بالحياة للحظة أخيرة.
ومع مرور الوقت بدأت الروايات التي تحكي ما حدث تتغير قليلاً. في البداية قيل إن ما حدث كان شجاراً عابراً، ثم ظهرت قصة أخرى عن اعتراف قيل إنه جاء في لحظة تعب، ثم رواية مختلفة تتحدث عن أموال اختفت فجأة. كانت الحكايات تتبدل كما تتبدل الرياح فوق الحقول، وكلما رويت القصة مرة أخرى ظهرت فيها تفاصيل جديدة أو اختفت منها أخرى. ومع ذلك بقيت الحقيقة، رغم كل تلك القصص، واقفة في مكانها، لا تتحرك.
وفي وسط تلك الروايات ظهرت حكاية أخرى. قيل إن كل ما حدث كان من فعل امرأة بسيطة جداً، امرأة يقول من يعرفها إنها بالكاد تستطيع تدبير أمور البيت. لكن القصة نفسها كانت تقول إنها استطاعت في ليلة واحدة أن تخطط وتستدرج وتنفذ كل شيء بدقة. بعض أهل القرية هزوا رؤوسهم بصمت. ليس لأنهم يعرفون الحقيقة، بل لأن القصص أحياناً تصبح أكبر من أصحابها.
ومع مرور الأيام بدأ بعض الناس في القرية يلاحظون أن التفاصيل الصغيرة التي بدت في البداية عادية أصبحت تشبه قطعاً من صورة أكبر. مرآة لم تسقط، هاتف بقي في اليد، خدش لا يشبه الحائط، وقصص تتغير كلما رويت. كل تفصيلة وحدها ربما تبدو عادية، لكن عندما تجتمع تبدأ الحكاية الحقيقية في الظهور ببطء.
ويقول كبار السن في تلك القرية إن المرآة التي كانت في يد العروس لم تكن مجرد قطعة زجاج صغيرة. فالمرآة لا تكشف الوجه فقط، بل تكشف أحياناً ما يقف خلفه أيضاً. وربما لهذا السبب بقيت تلك المرآة حاضرة في ذاكرة أهل القرية أكثر من أي شيء آخر في الحكاية.
أما الحقيقة نفسها، فهي مثل الضوء الذي يتسلل ببطء بين الأشجار. قد يتأخر ظهوره، وقد يختبئ خلف الظلال لبعض الوقت، لكنه في النهاية يجد طريقه دائماً إلى العيون التي تريد أن ترى.
"يقولون إن الحقيقة تسكن في قاع البئر، لكن في تلك القرية، يبدو أن الحقيقة كانت تختبئ خلف مرآةٍ رفضت أن تسقط." ... ( ماهر عبدالشكور)


اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.