دخلتُ إلى حسابي في "فيسبوك" فظننتُ للحظة أنني دخلت "الجنة" بالخطأ. المنشور الأول لنصيحة دينية تقطر زُهداً، والثاني لقصيدة شعرية تجعل المتنبي يبدو كهاوٍ، والثالث لـ "خبير فلكي" يوزع صكوك الحظ على الأبراج. الجميع هناك قديسون، فلاسفة، ومصلحون اجتماعيون.
السؤال الوجودي هنا: إذا كان الجميع بهذا الرقي، فمن الذي يسرق الأحذية من أمام المساجد؟ ومن الذي يشعل الحروب؟ ومن الذي يفتعل النكد الزوجي الذي يملأ المحاكم؟ يبدو أن "الأشرار" الحقيقيين لا يملكون إنترنت، أو أنهم مشغولون جداً بفعل الشر لدرجة تمنعهم من كتابة "بوست" عن مكارم الأخلاق!
معارك "الألتراس" الفكري
على "يوتيوب"، المشهد أكثر إثارة. هناك تجد "صاحب المنصة" الذي قرر فجأة أن يدافع عن شخصية تاريخية أو معاصرة لا تعرف حتى بوجوده. يتحول صاحب القناة إلى "فارس مغوار"، ويتحول المتابعون إلى "كتيبة إعدام". يكفي أن تكتب تعليقاً تقول فيه: "أظن أن هذا الشخص أخطأ في كذا"، لتهجم عليك جيوش "المؤيدين" بالسب والقذف، ليس لأنك أهنتهم، بل لأنك خدشت "الصنم" الذي يعبدونه. والمفارقة؟ أنهم يسبونك مستشهدين بآيات قرآنية أو أمثال حكمية!
المعيار "المطاطي": ليّ عنق الحقيقة
أجمل ما في عالمنا المعاصر هو "تطويع المعايير". إذا شتمك أحدهم ورددت عليه بوابل من "القذائف اللفظية" التي يندى لها الجبين، فالأمر بسيط: لديك آية جاهزة (تفسرها على هواك) لتشرعن بها قلة الأدب. أصبح القرآن الكريم - في نظر هؤلاء - ليس منهجاً لتهذيب النفس، بل "كاتالوج" لاختيار ما يناسب الانفعالات اللحظية. "الاعتداء" عند الله في الآية الكريمة له سياق وحدود، لكن في "قانون الغابة الرقمي"، هو تصريح مفتوح لرد الصاع صاعين من الشتائم، لأن "الهوى" هو المفسر الوحيد المعتمد.
أنبياء "التايم لاين" وحروب الجوارب
أما "المبدأ"، فقد أصبح مثل "موضة الشتاء": يتغير بتغير "التريند". لا أحد يجرؤ على التمسك بمبدأ ثابت، لأن أصحاب المبادئ هم العدو المشترك للقطيعين. أما الذين ادعوا النبوة ويتحدثون مع جبريل - عليه السلام - "ديليفري"، فالمشكلة ليست في جنونهم، بل في "الأتباع" الذين يدافعون عن هذا الدجل باستماتة. هؤلاء مستعدون للفداء بأرواحهم لشخص يحتاج في الواقع لزيارة طبيب نفسي، لا لمبايعته كرسول
"القابضون على الجمر": أصحاب المبادئ في زمن المسخ
وسط هذا الضجيج العالي، تلمح بين الحين والآخر منصات تشبه الواحات في صحراء قاحلة؛ أصحابها لا يركبون الموجة، ولا يرقصون على نغمات "التريند" الرخيص. هؤلاء هم "أصحاب المبادئ" الذين يدفعون ضريبة ثباتهم من أعصابهم ووقتهم، بل ومن شعبيتهم أحياناً. هم الأعداء المشتركون لجيوش "المنافقين" و"الدجالين" لأنهم ببساطة يملكون ما يفتقده الآخرون: بوصلة أخلاقية ثابتة. هؤلاء لا يفسرون المعيار على مقاس أهوائهم، بل يطوعون أنفسهم لخدمة الحقيقة. إنهم "الغرباء" في عالم افتراضي لم يعد يعترف إلا بمن يرفع صوته بالباطل، ووجودهم هو الدليل الوحيد المتبقي على أن الإنسانية لم تفقد عقلها تماماً بعد .
كيف نعود إلى "الأصل"؟ (روشتة للنجاة من الهبل الجماعي)
لكي لا نتحول جميعاً إلى شخصيات في مسرحية "الجنون العالمي"، علينا العودة لثلاثة أصول بسيطة:
- الفطرة السليمة: قبل أن تقتبس آية أو حكمة، اسأل نفسك: "هل يرضى طفل صغير بهذا الفعل؟". الفطرة لا تحتاج لمفسر، والصدق لا يحتاج لـ "فلتر".
- التواضع المعرفي: اترك الفلك للفلكيين، والدين للعلماء، والشعر للشعراء. ليس من الضروري أن يكون لك رأي في ثقوب الأوزون وفي طريقة طبخ المحشي في نفس اللحظة.
- فصل الأشخاص عن المبادئ: المبدأ ثابت والشخص متغير. لا تقدس بشراً، ولا تحول "صاحب محتوى" إلى إله. فالجميع يخطئ، والجميع يذهب للمرحاض، والجميع ينسى.
- أدب الاختلاف: "الرجولة" و"المروءة" ليست في قوة السب، بل في الترفع عنه. الصمت في وجه الجاهل ليس ضعفاً، بل هو "برستيج" أخلاقي مفقود.
عزيزي القارئ، العالم لن ينصلح بـ "المنشورات"، بل بـ "الممارسات". فليكن كل منا "إنساناً" أولاً، وبعدها فليكتب ما يشاء!
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.