نحن نعيش اليوم في "سيرك" عالمي، لكنه سيرك بلا مدرب، حيث استلمت "القرود" المنصة، وقرر الجمهور أن يصفق لكل حركة بهلوانية خالية من المعنى. في هذا الفضاء الافتراضي الموحش، لم يعد النجاح حليفاً للمثقف أو المبدع، بل صار مكافأة مجزية لكل من يمتلك الجرأة على التخلي عن حيائه، ولكل من يتقن فن "التفاهة الممنهجة".

مسرحية "الزواج الترندي": عقد قران أم صفقة غسيل؟

لقد ظهرت مؤخراً ظاهرة "الزيجات الانفجارية". كائن يخرج من مجهول العدم، يصرخ بكلمات غير مفهومة، يرتكب حماقات بصرية، وفجأة.. يقرر دخول القفص الذهبي! لكنه ليس قفصاً للمودة، بل هو "ستوديو تصوير" مفتوح. الزواج هنا ليس ميثاقاً غليظاً، بل هو "سبوبة" موسمية.

تبدأ المسرحية بإعلان الخطوبة، يليه زفاف يتحول بقدرة قادر من "فرح" إلى "حلبة صراع" أو مشهد سينمائي رخيص يضج بكل ما يخدش الحياء. والسؤال الذي يطرح نفسه بمرارة: هل هؤلاء مجرد حمقى؟ أم أنهم "واجهات" لعمليات أكبر؟ حين تتدفق الأموال "والنقوط" والهدايا الفاخرة على أشخاص لا يملكون موهبة واحدة سوى "الردح الرقمي"، يحق لنا أن نتساءل عن رائحة "غسيل الأموال" التي تزكم الأنوف خلف الكواليس. هل هو رد جميل لـ "فنان متألق" كما يزعمون، أم هي دورة رأس مال مشبوهة تمر عبر جيوب هؤلاء لتخرج "نظيفة" ومبررة؟

حماة الفضيلة.. و"تيك توك" الذي كشف المستور

لكن، دعونا نترك "الأراجوزات" جانباً، فالعتب ليس على من لا عقل له. المصيبة الكبرى تكمن في "النخبة المزيفة". أولئك الذين يرتدون بذلاتهم الأنيقة أمام الكاميرات، ويتحدثون بلسان "حمورابي" عن القانون والفضيلة والشرف. هؤلاء "الفرسان" الذين يركضون خلف هؤلاء التافهين؛ فإما "مدافعاً" يجد في القاع ثغرة قانونية ليعيد تدوير النفايات، أو "مهاجماً" يبحث عن لقطة (ترند) ليرفع من سعر استشارته.

والأدهى من ذلك، حين تلمح هؤلاء "الحكماء" في دهاليز "التيك توك"، يتسولون نظرة أو "لايك" من فنانة أو مشهورة، ينسحق كبرياؤهم تحت أقدام "الجولات" والمنافسات التافهة. هناك، تسقط الأقنعة، وتتحول "الهيبة" إلى "خيبة"، ويصبح "حامي الحمى" مجرد "كومبارس" في بث مباشر، يتنازل عن وقاره مقابل حفنة من العملات الرقمية التي لا تغني ولا تسمن من جوع الكرامة.

القنوات التلفزيونية: من "هنا القاهرة" إلى "هنا المهزلة"

ولا ننسى "الإعلام الاستقصائي" الذي ترك قضايا الأمة ليركض خلف "فرح فلان" و"فضيحة علان". قنوات وصحف كانت يوماً منبراً للتنوير، صارت اليوم تمارس دور "الخاطبة" و"المطبلاتي". يلهثون خلف "الترند" حتى لو كان نابعاً من مياه صرف صحي، يجرون الحوارات مع "كائنات رقمية" لا تجيد تركيب جملة مفيدة، فقط لأن العداد يشير إلى ملايين المشاهدات.

كلمة أخيرة.. لعلهم يعقلون

إن ما نراه ليس مجرد "محتوى تافه"، بل هو "تجريف ممنهج" للعقل الجمعي. حين يصبح التافه قدوة، والمتحرش بطلاً، والمدعي "شيخاً" أو "قانونياً مودرن"، فنحن أمام كارثة أخلاقية لا يحمينا منها إلا "الوعي".

يا سادة، توقفوا عن جعل هؤلاء مشاهير. توقفوا عن منح "الأحمق" منصة ليتحدث منها. إنهم يعيشون على "تفاعلك"، يموتون بالتجاهل، وينتحرون حين يعودون إلى حجمهم الطبيعي كـ "نكرات" في زحام الحياة.

الحياة أقصر من أن نضيعها في مشاهدة "مسرحية العبث" هذه، والرجولة أعز من أن تُباع في "سوق النخاسة الرقمي".