لطالما اعتقدتَ أنك ذلك الشخص "الرصين" الذي يمشي في الشارع بخطوات واثقة، توزع الابتسامات والتحايا، بينما تنظر إلى رواد العيادات النفسية بعين الشفقة، معتقداً أنك "ناجي" وحيد في غابة من المجاذيب. دعني أخبرك سراً صغيراً: أنت مخطئ تماماً، أنت لست استثناءً… أنت فقط لم تُشخَّص بعد.

إليك الدليل العلمي (بلمسة واقعية) لتعرف أين يقع موقعك من الإعراب في قائمة الاضطرابات:

1. النفاق الاجتماعي: البدلة التي نرتديها جميعاً

الحقيقة المرة هي أننا نعيش في مسرحية كبرى. ندعي السواء النفسي، ننشر صور "السعادة"، ونتحدث عن "الطاقة الإيجابية" بينما عقولنا من الداخل تشبه ملفات "الويندوز" التي لا تستجيب (Not Responding). نحن بارعون في إثبات أننا "أسوياء" فقط لأننا نخشى أن ينكشف أمرنا.

2. هل أنت "نحلة" اجتماعية أم مجرد منافق محترف؟

العلم يتحدث عن "اضطراب الشخصية التجنبية" أو "الرهاب الاجتماعي". هل تشعر بضربات قلب سريعة حين يطلب منك المدير الحديث في اجتماع؟ أنت لست خجولاً، أنت مشروع مريض قلق. أما إذا كنت العكس تماماً، تضحك بملء فيك وتجامل الجميع، فغالباً أنت تمارس "القناع الاجتماعي" لتخفي اكتئاباً مبطناً أو شخصية "هستيرية" تبحث عن الاهتمام. نحن لا نسلم من شيء!

3. "هوس السيطرة" تحت مسمى الحرص

إذا كنت لا تنام إلا بعد التأكد من وضعية الحذاء بجانب السرير، أو تشعر بالذعر إذا تغير جدول مواعيدك بمقدار خمس دقائق، فأنت لا تملك "قوة شخصية"، بل أنت أسير لـ "اضطراب الشخصية القهرية". أنت تحاول السيطرة على العالم لأنك عاجز عن السيطرة على قلقك الداخلي.

4. إدمان "القبول": مريض السوشيال ميديا الهادئ

تلك الحاجة الملحة لتفقد هاتفك كل دقيقة، وانتظار "الإعجابات" لتعرف قيمتك اليومية، ليست "مواكبة للعصر". إنها "اضطراب نقص الانتباه" الممزوج بـ "قلق السعي وراء المكانة". نحن مرضى بالاعتراف بنا، مدمنون على حقن "الدوبامين" التي تأتي من شاشة زجاجية.

5. هل بيتك نظيف جداً.. أم أنك تعاني؟

نحن نسميه "نظافة"، والعلم يسميه OCD (الوسواس القهري). إذا كنت تعيد التأكد من قفل الباب عشر مرات، أو ترتب الأقلام حسب طول الموجة الضوئية، فأنت لست "دقيقاً"، أنت ببساطة أسير لدوائر عصبية مفرطة الحماس. وإذا كان بيتك فوضوياً؟ فأهلاً بك في عالم "التشتت وضياع التركيز".

6. التقلبات المزاجية: هل أنت "فراشة" أم "قطب ثنائي"؟

تستيقظ صباحاً وأنت تشعر أنك ستمتلك العالم، وبحلول العصر تفكر في اعتزال البشرية والعيش في كهف مع قطة. المجتمع يرى أنك "مودي" (مزاجي)، لكن لو فتحنا المراجع العلمية، سنجد طيفاً واسعاً من الاضطرابات الوجدانية التي تلوح لك بيدها من بعيد.

7. فئة "الحمد لله أنا سوي": عقدة الكمال والكبر

هؤلاء هم الأخطر! إذا كنت ممن يقرؤون هذه السطور وتقول في نفسك بكل ثقة: "الحمد لله لا أعاني من أي من هذه الترهات"، فمبارك عليك، لقد وقعت في فخ "النرجسية الدفاعية" أو "عقدة الاستعلاء". العلم يخبرنا أن إنكار الضعف البشري هو في حد ذاته اضطراب. الرغبة المستميتة في الظهور بمظهر "الإنسان الكامل" الذي لا يخطئ ولا يضطرب هي وسواس قهري من نوع فاخر، يهدف لإخفاء هشاشة داخلية مرعبة. أنت لست سوياً، أنت فقط "ممثل قدير" أتقن دور العاقل حتى صدق نفسه.


إذا كنت تبحث عن "الإنسان السوي" الوحيد في هذا الكوكب، فربما عليك البحث في المتاحف أو بين التماثيل الرخامية، لأن الكائنات البشرية المتحركة جميعها تحمل "ندبة" ما في أرواحها. نحن عبارة عن مجموعة من العقد النفسية التي تمشي على قدمين، نرتدي ربطات عنق وفساتين أنيقة لنغطي على صرخاتنا الداخلية.

لذا، توقف عن لعب دور "العاقل الوحيد"، فمن يظن أنه السوي الوحيد هو في الحقيقة الأكثر حاجة للعلاج. فالحقيقة التي نهرب منها جميعاً هي: يا عزيزي، كلنا مرضى نفسيين.