في بعض الأماكن من هذا العالم، لم يعد الموت نهاية واضحة، ولا الحياة حقيقة مؤكدة. هناك مناطق رمادية، باردة، معدنية، تُدار فيها الأرواح كما تُدار الملفات:
بعجلة، وكسل، و”ماشي الحال”.
في هذا العالم العجيب، لم يعد الفاصل بين الحياة والموت قرارًا طبيًا، بل اجتهادًا إداريًا.
نبض؟ تنفّس؟ وعي؟
كل هذا تفاصيل مزعجة قد تعطل الموظف عن شايه الساخن أو عن موعد انصرافه المقدس.
الاستعجال إلى القبر… خدمة سريعة
يبدو أن بعض المنظومات الصحية حققت قفزة نوعية:
لم تعد تُضيّع الوقت في التشخيص، ولا تُرهق نفسها بالفحص، بل اختصرت الطريق. حادث؟ إصابات؟
إذًا الجميع إلى الثلاجة… بلا فرز، بلا سؤال، بلا تأكيد، وكأن الموت “عرض شامل” لا يحتاج تحققًا. هكذا، وبمنتهى الكفاءة البيروقراطية، تُصفّ الأرواح في الأدراج المعدنية كما تُصف الملفات في الأرشيف:
واحد، اثنان، ثلاثة…
وإن كان بينهم من لا يزال حيًا؟
فذلك تفصيل تقني لا يغيّر في سير العمل. فالموظف الهمام، الذي يقدس وقته لدرجة تمنعه من فحص نبضٍ أو التأكد من تنفس، يرى أن الأمانة تقتضي أن يضع الجميع في "الحفظ والصون" داخل أدراج باردة، لعل البرودة تمنع تعفن الضمائر التي ماتت قبل أجساد الضحايا.
مستشفى أم محطة ترانزيت؟
تدخل المكان وأنت تظنه ملاذًا للنجاة، فتكتشف أنه مجرد محطة انتقالية:
من الشارع… إلى الدرج.
من الألم… إلى الصمت.
من الحياة… إلى “انتظار التوقيع”.
الأطباء غائبون، الضمير في إجازة مفتوحة، والمسؤول الكبير مشغول بالحديث عن “الاستراتيجية” و”تطوير المنظومة”، بينما المسؤول الصغير يتقن فن الاختفاء وقت الحاجة.
وحده الإنسان الملقى هناك لا يملك رفاهية الغياب.
هو مشغول بمحاولة واحدة فقط:
أن يظل حيًا.
حين تنقذ الإنسانية ما قتلته الوظيفة
المشهد السريالي لا يكتمل إلا حين تأتي النجاة من حيث لا يتوقع أحد.
لا طبيب، لا لجنة، لا بروتوكول طوارئ، بل عاملة بسيطة، امتلكت ما عجزت عنه المناصب:
قلبًا لم يتجمّد. هي التي انتبهت، هي التي شكّت، هي التي أنقذت روحًا من أن تُغلق عليها درج الموت نهائيًا.
وهنا نكتشف الحقيقة الموجعة:
أن الثلاجة الحقيقية ليست ذلك الصندوق المعدني، بل الصدور الباردة التي تدير المشهد من مكاتب مكيفة، وتتحدث عن الإنسان بلغة الأرقام لا بلغة الحياة.
**المعادلة هنا بسيطة ومقيتة:**
* **المسؤول الكبير:** مشغول بافتتاح المؤتمرات حول "جودة الحياة".
**المسؤول الصغير:** مشغول بهاتفه أو بشرب الشاي في غرفته المغلقة.
**المواطن:** مشغول بمحاولة البقاء حياً.. حتى وهو داخل الثلاجة!
الإهمال… الاسم المهذب لجريمة قذرة
يحاول البعض دائمًا تلطيف المصطلحات. يقولون: “خطأ بشري”. لكن الخطأ البشري يكون لحظة سهو، لا منظومة كاملة من اللامبالاة.
من يضع إنسانًا حيًا في ثلاجة الموتى، لا يخطئ، هو يقتل ببطء، ويفعل ذلك باسم الروتين، وبختم رسمي، وبلا خوف من الحساب.
عندما يصبح البقاء على قيد الحياة مسألة حظ، وعندما يصبح عامل النظافة آخر خط دفاع عن الأرواح، فاعلم أن المشكلة ليست في حادث، ولا في طريق، بل في نظامٍ اعتاد أن يدفن أخطاءه مع ضحاياه.
خاتمة باردة كالحقيقة
لعل اللبيب بالإشارة يفهم:
أن من لا يرى النبض في عروق الأحياء، هو في الحقيقة ميتٌ يمشي بيننا، يرتدي بدلة رسمية، ويتقاضى راتبًا على إدارة المقابر ..
ثم يسميها مستشفيات.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.