في عالم التواصل الاجتماعي، لم تعد المشكلة تكمن في المنشورات التي تفتقر للمنطق، بل في ردود الفعل التي تصر على "تجميل الواضح" بصبغة من المثالية الزائفة. نحن أمام ظاهرة مقلقة، حيث يتم استبدال البديهيات العقلية بمبررات واهية، لا لشيء إلا للهروب من مواجهة الحقائق المحرجة.
الفرق بين "حسن الظن" و "إنكار الواقع"
إن حسن الظن قيمة أخلاقية رفيعة تعني عدم تتبع عورات الناس أو اتهامهم بغير دليل. لكن، عندما يُعرض الدليل المادي بوضوح الشمس، فإن محاولة إنكاره ليست "فضيلة"، بل هي "تعطيل للعقل". أن ترى العين كدمة واضحة المعالم، ثم يصر البعض على استدعاء مبررات طبية مستحيلة أو قصص وهمية لتفسيرها، فهذا لا يحمي الأخلاق، بل يفرغ العقل من قيمته.
مواقع التواصل ليست عيادة.. بل مسرح
إن عرض القضايا الشخصية والحساسة على العامة تحت ستار "طلب النصيحة الطبية" هو في الغالب ليس طلباً للعلاج، بل هو نوع من "الاستعراض الاجتماعي" أو البحث عن صك براءة من الجمهور. فالمسائل الصحية مكانها الطبيب المختص، أما طرحها في الفضاء الرقمي بصيغة توحي بالكذب وتطلب التصديق، فهو دعوة صريحة للجمهور لكي يمارس "النفاق الجماعي".
لنحلل هذا المشهد: أم (من المفترض أنها خبيرة بالحياة وبالعلاقات) تنشر صورة لرقبة ابنتها على الملأ. لو كان الأمر صحياً لذهبت للصيدلية أو الطبيب، لكنها اختارت "الميدان الرقمي". السؤال هنا مُفخخ؛ هي توحي بأن ابنتها تكذب، وتستدر عطف الجمهور، والجمهور بدوره يمارس دور "الواعظ المنافق" الذي يهاجم من ينطق بالحقيقة بحجة "إن بعض الظن إثم".
جزيئات الوعي المفقودة
لسنا هنا أمام أخلاق، بل أمام تعطيل جماعي للعقل. عندما تُعرض صورة لكدمة "قبلة" واضحة المعالم والتفاصيل على الرقبة، ثم يُقال إنها "قرصة ناموس"، فنحن لا نختبر جودة التشخيص الطبي، بل نختبر مدى قدرة الجمهور على ابتلاع الإهانة العقلية.
الخطورة ليست في المنشور بحد ذاته، بل في البيئة التي تجعل من "تزييف الحقيقة" أمراً مقبولاً بل ومستحسناً. عندما نهاجم من يستخدم عقله ومنطقه، ونعتبر صراحته "سوء خلق"، بينما نبارك لمن يروج للأوهام ونعتبره "صاحب نية طيبة"، فنحن نساهم في بناء مجتمع هش، يخشى الحقيقة ويهوى العيش في المنطقة الرمادية.
الحقيقة التي يتجاهلونها: إنكار الدليل المادي ليس "حسن ظن"، بل هو غباء مطبق. حسن الظن يكون في غياب الدليل، أما مع وجوده، فإنكار الشمس هو نوع من الانفصال عن الواقع.
كلمة أخيرة
إن الرقي بالمجتمع يبدأ من احترام العقل. ومن حق كل إنسان أن يختار الطريقة التي يربي بها أو يعالج بها شؤونه، لكن ليس من حقه أن يفرض على الآخرين "مؤامرة الصمت" تجاه ما تراه أعينهم بوضوح. الأخلاق الحقيقية لا تتناقض مع العقل، والصدق مع النفس هو أولى خطوات الإصلاح.
المجتمعات لا تنهار بسبب الخطأ، بل بسبب "تطبيع الخطأ" وإلباسه ثوب الفضيلة. عندما يصبح قول الحقيقة الواضحة "قلة أدب"، ويصبح التغافل عن الزيف "تقوى"، فاعلم أن الميزان قد اختل.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.