أهلًا بكم في عصر الاستثمار البشري، حيث لم يعد الأب يبحث عن عمل إضافي، ولم تعد الأم تحسب مصروف البيت آخر الشهر، فقد ظهر الحل السحري الذي لا يحتاج تعبًا ولا ضميرًا:
عندك طفل؟ إذن عندك مشروع!
كاميرا، إضاءة، اتصال بالإنترنت، وجرعة جرأة أخلاقية صفرية… والباقي تتكفل به المنصات.
طفلة قاصر لم تبلغ سن الوعي تُدفع أمام الكاميرا، تتحرك، تبتسم، تتلوّى بحركات لا تفهم معناها، بينما الأم تفهم جيدًا لغة الأرقام، وتقرأ التعليقات لا بعين الخوف، بل بعين الطمع.
المهم أن “البنت طالعة حلوة”.
المهم أن الإعجابات تزيد.
أما البراءة؟ تلك تفصيلة جانبية يمكن التضحية بها في سبيل الترند.
وهكذا، وباسم “المحتوى”، تتحول الطفولة إلى عرض، والجسد الصغير إلى واجهة، والبيت إلى مسرح مفتوح لكل مريض ومتربص.
والأم؟ تقف خلف الكاميرا فخورة، كأنها حققت إنجازًا وطنيًا، لا كأنها سلّمت ابنتها طواعية إلى سوق مفتوح لا يعرف الرحمة. ثم ننتقل إلى مدرسة أخرى لا تقل انحدارًا: مدرسة شحاتة الهانم الرقمية.
هنا لا يُستثمر الجسد، بل تُستثمر الدموع. الطفل يُوسّخ، يُجَوّع، يُؤمَر بالبكاء، وتبدأ المسرحية:
“ابكِ يا حبيبي… لا، ابكِ أكتر… خليهم يحسّوا”.
وفي الخلفية، الأم تُخرج المشهد بإتقان، تعرف متى تقترب بالكاميرا، ومتى ترفع الصوت، ومتى تذكّر المشاهد برقم الحساب.
لقد تحولت كرامة الطفل إلى عملة رقمية، وتحول فقره — الحقيقي أو المصطنع — إلى محتوى ترفيهي، يُشاهَد أثناء العشاء، ثم يُغلق الفيديو ويُنسى الطفل… ويبقى الأثر.
وهنا يجب أن نسأل السؤال الذي يتهرب منه الجميع:
أين “الأهل” في كلمة “أهالي”؟
أنتم لا تصنعون محتوى، أنتم تصنعون ضحايا مؤجَّلة.
تبيعون خصوصية أطفالكم في سوق نخاسة إلكتروني، وتفتحون بيوتكم — بالبث المباشر — لكل من لا يجب أن يراهم طفل، ولا أن يراه طفل.
هل سألتم أنفسكم يومًا:
كيف سينظر إليكم هذا الطفل عندما يكبر، ويكتشف أن صور جسده أو فيديوهات إذلاله كانت وسيلة رزق؟
هل فكرتم أن ما تفعلونه اليوم لن يُمحى، وأن زر “الحذف” لا يمسح الأثر النفسي؟
عزيزي الأب، عزيزتي الأم:
إن كان الفقر هو الدافع، فالعمل الشريف لا يقتل الكرامة. وإن كانت الشهرة هي الهدف، فاعلموا أن الشهرة التي تُبنى على طفولة مكسورة ليست نجاحًا… بل عارًا موثقًا بالصوت والصورة.
الطفل ليس مانيكان. والطفل ليس منديلًا نمسح به فشلنا. والطفولة ليست صفقة مؤقتة.
توقفوا عن عرض لحم أطفالكم للمزايدة، فالشاشة التي تُدرّ عليكم المال اليوم، قد تكون غدًا الجدار الذي يصطدم به مستقبلهم النفسي، حين لا يجدون في ذاكرتهم أهلًا، بل منتجين.

اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.