في السنوات الأخيرة، لم يظهر علينا وباء جديد في المختبرات، بل انفجرت في وجوهنا ماسورة مياه اجتماعية، ملوثة، عكرة، لا تعرف الرحمة، اسمها: “بلوجرز الحوادث” أو “إعلاميو التعاطف الفوري”.
هؤلاء لم يأتوا بالكلمة، ولا بالمعلومة، ولا حتى بالحد الأدنى من الفهم، بل جاءوا بالكاميرا فقط، وكأن الكاميرا صك غفران، أو تصريح أخلاقي يسمح لهم باقتحام المآسي كما تُقتحم البيوت الخالية.

حادث؟
وفاة؟
جريمة أسرية؟
طفل قُتل؟
امرأة مكلومة؟

لا تقلق، البطل المغوار في الطريق، يركض لا لينقذ، ولا ليحقق، ولا ليشرح، بل ليصوّر.
يقف أمام أم فقدت ابنها، دموعها لم تجف، عقلها لم يستوعب، ثم يسألها بسذاجة مُخجلة:
حاسة بإيه دلوقتي؟
سؤال عبقري، لو أُرسل إلى الفضاء لأعادوه مع اعتذار رسمي عن مستوى الذكاء البشري.

هل ينتظر أن تقول له:
مش زعلانة، كنت مستنية اللحظة دي، وهطلع أرقص بعد التصوير”؟
أم أن السؤال مجرد مفتاح مسرحي رخيص لفتح بوابة الدموع، لأن الدموع = مشاهدات، والمشاهدات = تعاطف، والتعاطف = تحويل فوري على رقم الحساب؟

وإن لم تبكِ الضحية كما ينبغي، أو لم تنطق الجملة المطلوبة، لا مشكلة.
يتدخل البطل بنفسه، ويبدأ في الشرح نيابة عنها، لا عن الجريمة، ولا عن السبب، ولا عن الخلل المجتمعي، بل عن شيء واحد فقط:
الحالة المادية”.

يترك أصل الكارثة، الإدمان، العنف، الفشل الأسري، غياب القانون، ويقفز قفزة بهلوانية مباشرة إلى المال.
ثم يبدأ العرض:
صوت مرتفع، نبرة حزينة، حركات يد مبالغ فيها، كلمات محفوظة، حزن بلا دموع، ومأساة بلا تحليل.
كل شيء تمثيل… إلا الحساب البنكي.

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا، لا لنضحك فقط، بل لنسأل السؤال الأهم:
من أعطى هؤلاء القوة؟
من جعلهم أوصياء على الألم؟

من صدّق أن من يحمل هاتفًا ويصرخ أمام الكاميرا صار إنسانًا نبيلاً؟

الإجابة المؤلمة: المشاهد
نحن.
الذي يشارك الفيديو دون تفكير،
الذي يكتب “ربنا يجازيك خير” دون أن يسأل: خير مين؟
الذي يخلط بين التعاطف والابتزاز العاطفي، وبين العمل الخيري والاستثمار في المآسي.

هؤلاء البلوجرز ليسوا عباقرة، هم فقط فهموا نقطة ضعف خطيرة:
أن الإنسان العربي طيب، لكنه عاطفي، رحيم، لكنه لا يتحقق، يغضب، لكنه لا يسأل: أين تذهب الأموال؟ ولماذا لا يتحدث أحد عن أصل الجريمة؟

المصيبة أن الضحية تُستغل مرتين:
مرة من المجرم الحقيقي، ومرة من تاجر التعاطف.

أما المشاهد، فيخرج من الفيديو حزينًا، منهكًا، وربما أفقر ماديًا، لكنه لا يخرج أكثر وعيًا، ولا أكثر فهمًا، ولا أكثر قدرة على منع تكرار المأساة.
وهنا نكون جميعًا خسرنا.

التعاطف الحقيقي لا يُصوَّر، والعمل الخيري لا يحتاج موسيقى حزينة، والمآسي لا تُحل بالكاميرا الأمامية.

وإن كان لا بد من كلمة أخيرة، فهي للمشاهد قبل أي أحد:
ليس كل من بكى أمامك صادقًا، وليس كل من جمع مالًا فاعل خير، وليس كل من قال “أنا صوت الغلابة” إلا صدى لحسابه البنكي.

انتبه…
فبعضهم لا يعيش على المحتوى، بل يعيش على الجراح المفتوحة.