فــي زمنٍ ليس ببعيد، كان احترام الكبير سلوكًا بديهيًا لا يحتاج إلى قانون ولا هاشتاغ. كان الطفل يعرف حدوده، والشاب يعرف مقامه، والكلمة تُوزن قبل أن تُقال.
أما اليوم، فقد ظهر جيل جديد اكتشف فجأة أن “الحرية الشخصية” بطاقة مفتوحة لخلع الأدب، و”الكرامة” درع يُشهر في وجه أي نصيحة، ولو خرجت من فم رجل أبيض الشعر قضى عمره يبني ما يهدمه هذا الجيل في فيديو مدته ثلاثون ثانية.

تجلس إحداهن بلباس لا يراعي لا مكانًا ولا زمانًا ولا مجتمعًا، في وضعيات أقرب للاستعراض منها للجلوس. يمر رجل كبير في السن، لا يصرخ، لا يشتم، فقط يقول: “يا بنتي، اقعدي كويس، ده مكان عام”.
فترد عليه بمنتهى الوقاحة: “مالكش دعوة! دي حريتي!”.
وإن تجرأ الرجل وردّ، لا دفاعًا عن نفسه بل عن كرامته، يبدأ العرض الحقيقي: هاتف مرفوع، تصوير، صراخ، دموع اصطناعية، ثم فيديو بعنوان:
تحرش لفظي من رجل مسن متخلف”.

ويخرج علينا جيش إلكتروني من النسخ المتطابقة:
وإنت مالك؟
سيبها في حالها!
احترم حريتها!

ولا أحد يسأل:
من أين جاءت هذه الجرأة؟
ومن علّمها أن الوقاحة اسمها كرامة؟
ومن أقنعها أن قلة الأدب حق مكتسب؟

الطريف المبكي أن هذا الجيل لا يحتمل كلمة نقد، لكنه يتحمل ألف شتيمة إذا جاءت على شكل إعجاب أو مشاركة. يرفع شعار الحرية، لكنه لا يحتمل اختلافًا. يتحدث عن الكرامة، لكنه يدوس كرامة غيره بحذاء “أنا حر”.

تجده يشتم أستاذه، يسخر من والده، يرفع صوته على أمه، ثم يحدثك عن “الصحة النفسية” و”الطاقة السلبية”. جيل يطالب بالاحترام وهو لا يعرف معناه، يطالب بالحقوق ولم يمرّ يومًا على الواجبات.

والأخطر من كل ذلك، أن هذه الوقاحة لا تأتي من فراغ. لا أحد يستيقظ صباحًا قليل الأدب صدفة. هذا نتاج بيت.
بيت لم يربِّ، بل سلّم الهاتف بدل القيم.
بيت لم يقل “عيب”، بل قال “سيبه يعبر عن نفسه”.
بيت ظن أن التربية قمع، وأن الحدود عقد نفسية، فأنجب لنا أجيالًا لا تعرف الفرق بين الجرأة والصفاقة.

ثم نقف مندهشين:
لماذا لا يحترم الصغير الكبير؟
لماذا لا يعرف الشاب مقامه؟
لماذا صارت النصيحة إهانة، والوقاحة بطولة؟

لأن من لم يتعلم الاحترام في بيته، سيتعلم قلة الأدب في الشارع.
ومن لم يُربَّ على التواضع، سيتباهى بجهله.
ومن لم يُقال له “قف عند حدك”، سيظن أن العالم بلا حدود.

الحرية الشخصية، يا سادة، لا تعني أن تتحول الأماكن العامة إلى غرف نوم.
والكرامة لا تعني أن ترفع صوتك على من يكبرك سنًا أو مقامًا.
والوقاحة لا تصبح فضيلة لمجرد أنها صُوّرت بدقة عالية.

احترام الكبير ليس تخلفًا، وقلة الأدب ليست ثورة، وما يحدث اليوم ليس تقدمًا… بل تراجع مغطى بفلاتر وحديث فارغ.

وإن كان لا بد من مصارحة مؤلمة، فهي هذه:
قبل أن نلوم الجيل، فلنلتفت إلى البيوت التي خرج منها.
فبعض الآباء والأمهات لا يحتاجون دورات تربية، بل يحتاجون تربية هم أنفسهم، ثم يأتون بعدها لينجبوا بشرًا، لا مشاريع فوضى تمشي على قدمين.