يا أيها الأهل الأفاضل، يا من رزقكم الله بنات جميلات، أبارك لكم على مشروع العمر الذي صار شغل كل بيت عربي: مشروع "تسليم البضاعة".
الفكرة بسيطة: كل بنت بعد عمر العشرين تتحول تلقائيًا إلى مادة قابلة للاشتعال، لا بد من التخلص منها بسرعة قبل أن تلتقطها عيون الجيران ويكتب عنها أحدهم في سجل العائلة تحت بند "الحالات الحرجة".

تبدأ القصة عادة بإعلان الطوارئ داخل المنزل.
صفارات إنذار تدوي في قلب الأم كلما سمعت خبر خطوبة بنت الجيران، فتنظر في ساعة العمر المعلقة على الحائط وتكتشف أن مخزونها من "فرص الستر" على وشك النفاد. الأب، الذي طالما تغنّى بشرف العائلة، يتحول في لحظة إلى وسيط عقاري عتيق يتنقل بين جلسات الشاي بحثًا عن مشترٍ "جاد"، والأم تتقن فن التسويق؛ تروج للبضاعة كأنها آخر قطعة في المول… "بنتنا مؤدبة، جميلة، شاطرة في الطبيخ، وما بتطلبش كتير… بس خدها بسرعة قبل ما يسبقك غيرك!"

أما العريس المنتظر، فهو الفارس الأسطوري القادم على ظهر جواد يلمع في أحلام البنات، لكنه في الحقيقة غالبًا قادم على ظهر ميكروباص وبصحبته دفتر شيكات وأم متعجلة. لا أحد يسأل عن عقله، أو قلبه، أو حتى ذوقه في اختيار الشرابات؛ المهم أنه "يدفع ويشيل".
والبنت المسكينة، تجد نفسها فجأة في سباق ضد عقارب الساعة، المطلوب منها أن تختار سريعًا قبل أن يفوتها "قطار العمر"، وتتحول إلى عار مزمن في عيون العائلة!

أما إذا تجرأت المسكينة وصرّحت بأنها تريد إنهاء دراستها أو تبحث عن شريك عقل وروح، تنهال عليها النصائح الأبدية: "العمر بيجري يا بنتي… الجمال لا يدوم… خذي نصيبك قبل ما تروحي من ايدينا!"
والنتيجة؟ زواج سريع من باب "فك الكربة" وليس باب الشراكة.
والأجمل من ذلك، أن مشروع التزويج يُنجز أحيانًا بنفس سرعة الطلبات السريعة على التطبيقات:
ـ "ألو، في عريس؟"
ـ "موجود، يريد بنت على السريع."
ـ "اتفضل، الدفع كاش أم بالتقسيط؟"

يظن الأهل أن الزواج سيحمي البنت من "لسان الناس"، ولا يعرفون أنهم ألقوا بها في مغامرة مجهولة بلا بوصلة.
الطامة الكبرى حين تبدأ المفاجآت بعد الزفاف: اختلافات لا تنتهي، مشكلات من كل نوع، وربما طلاق يطرق الباب مبكرًا، فيسأل الجميع بدهشة صادقة "كيف حدث ذلك؟"
يا جماعة الخير، من زرع التسرع، يحصد الندم…
أما عن الفتاة، فهي كانت الحلم الجميل، تحوّلت إلى مشروع تصفية عاجلة، حتى فقدت رغبتها في تحقيق ذاتها، وصارت كل أحلامها أن تتجاوز فحص المواصفات سريعًا وتنتقل من خانة "مشكلة" إلى خانة "مستلمة".

ولا ننسى الوصفة السرية التي يكررها كل الآباء: "نحن نثق في تربيتنا"، لكنهم يقيدون البنت بقيود من حديد، لا تخرج ولا تتنفس ولا تتواصل مع العالم، وكأنهم يتبرؤون من كل ما زرعوه فيها.
أغرب اعتراف بالفشل!

المضحك المبكي أن البنات أنفسهن صرن يلهثن خلف الزواج ليس رغبة في الحب أو شراكة، بل هربًا من شبح "العنوسة"، تلك الكلمة التي تعشش في مجالسنا كأنها وصمة جنائية.

وفي النهاية، حين ينهار البيت أو تقع الفاجعة، ينقسم الجميع بين باكٍ ولائم، بينما يبقى سؤال واحد بلا جواب: متى نتوقف عن معاملة بناتنا كملف يجب تصفيته بسرعة؟ متى نسمح لهن أن يكنّ بشرًا يختارن شريك الحياة عن اقتناع، لا عن خوف؟ متى ندرك أن أعظم ما نقدمه لابنتنا هو الاحترام والحرية، لا الهروب من شبح مجتمعي بائس؟

أيها السادة… الزواج ليس ماراثون تصفية، ولا مزادًا ينتهي بـ "مبروك على من رسا عليه المزاد".
رفقًا بالبضاعة… فهي ليست بضاعة أصلاً.
ولا تعجب إذا وجدت أن الطلاق أصبح "الصفقة السريعة" التالية.