لم يعد الجهل في زماننا مجرّد نقص في العلم، أو عاراً يخجل منه صاحبه. بل أصبح بطاقة مهنية، يُرفع بها الرأس في الفضائيات، وتُختم بها عقود العمل في منصات التواصل الاجتماعي.
صار بإمكان أي مواطن أن يصبح خبيرًا في دقائق، يكفيه فقط أن يضبط الكاميرا، ويتحدث بنبرة واثقة، ويُضيف في آخر الجملة: “وعلى مسئوليتي الشخصية!”… ليبدأ موكب التصفيق.

في هذا العصر، لم يعد الفارق كبيرًا بين شهادة تخرجك من الجامعة، وبين شهادة أنك تملك 100 ألف متابع على منصة سخيفة.
الأول يجتهد ويتعب سنوات ليحصل على شهادة توضع في إطار على الحائط، أما الثاني فقد تعلّم فن الإيماءة و”الضحكة الصفراء” ومهارة قلب الحقائق، وأصبح نجمًا تفرش له وسائل الإعلام السجادة الحمراء، فقط لأنه يجرؤ على الهراء أمام الملايين.

الطامة الكبرى أن السوق رائج… والزبون جاهز!
الجمهور الكريم - الذي يشكو من كل شيء إلا من نفسه - وجد ضالته أخيرًا: خبير الجهل.
شخص لا يعرف من الحياة إلا عنوانها، ولا من العلم إلا اسمه، ولا من الحكمة إلا مقاطع قصيرة حفظها من منشورات فيسبوك.
هو مثل الطباخ الذي لا يجيد سوى حرق البيض، ويبيع لك “الأومليت المحترق” على أنه وصفة سرية لا يعلمها إلا الأذكياء.

تسمعه يتحدث عن الطب في الصباح، وعن السياسة في المساء، وعن الطاقة النووية قبل النوم.
يسألونه عن الذرة… فيرد بثقة عن الذرة المشوي والمسلوق!
ولأن معظم المتابعين لا يفرقون بين الذرة والكوسة، تجدهم ينبهرون بالرد ويكتبون “عظيم يا دكتور”.

المؤسف أن هؤلاء الدخلاء لا يسرقون فقط وقت الناس، بل يسرقون منهم القدرة على التفكير، يحولون كل منصة إلى “مولد وصاحبه غايب،
يصنعون فوضى في العقول، حتى صار كل من يفكر أو يبحث عن الحقيقة يُتَّهم بأنه “معقد” أو “سلبي” أو حتى “عدو النجاح”.

أما الإعلام، فهو لا يرحب إلا بصوت الجهل العالي… فالعقلاء عادة يتحدثون بهدوء ولا يصنعون الإثارة المطلوبة لرفع نسب المشاهدة.
الإعلام اليوم يبحث عن “زعيم الجهل”، فهو الذي يُضحك الجمهور، ويملأ الشاشة، وينقذ البرامج من الإفلاس.

والعجيب، أن كلما ارتفع صوت الجهل، ارتفع معه عدد المتابعين. حتى صار بعض العارفين بالحقيقة يتساءلون: هل نحن بالفعل في زمن “العلماء على الرفّ”، و”المهرجين في كل زاوية”؟

أيها السادة، ليس الخطر في أن هناك من يجهل، فكلنا نجهل أشياء. الخطر أن يصبح الجهل وظيفة، وأن يتحول التهريج إلى رسالة، وأن يضطر العاقل إلى الاختفاء لأن السوق لم يعد يرحب إلا بالبضاعة الفاسدة.

وعلى الجانب الآخر

يبقى هناك ذلك الرجل أو المرأة الذين اختاروا طريق المعرفة بحق، الذين آمنوا أن قيمة الإنسان بعقله، وأن الرسالة الحقيقية ليست في عدد المشاهدات بل في جودة الكلمة وصدق الموقف.
هم أولئك الذين ما زالوا يجلسون بين الكتب، يبحثون في ظلمات الجهل عن شمعة ضوء، ويقاومون تيار السطحية الجارف بلا ضجيج ولا تصنّع.

هم قِلّة، لكنهم موجودون، لم يُغريهم الصعود على أكتاف الجهلاء، ولا تحوّلوا إلى “تريند” رخيص.
هؤلاء يعرفون أن الشهرة لا تصنع القيمة، وأن التصفيق لا يمنح العلم، وأن الحقيقة تفرض نفسها مهما حاول الغبار أن يغطيها.

أصحاب الضمير الحقيقيون ليسوا غرباء ولا منقرضين، بل موجودون في كل بيت ومؤسسة، يُعلّمون، يُربّون، وينصحون من غير انتظار مكافأة ولا تصفيق. هم أصحاب الكلمة الطيبة، والنية الخالصة، والعمل بصمت. وجودهم هو الأمل الوحيد أن زمن الجهل مهما طال… فالنور قادم لا محالة.

 

ليس الجهل عيبًا، لكن العار كل العار أن يتصدر الجاهل المشهد، وأن يُفرض على الناس بقوة الضجيج لا بقوة البرهان. المجتمعات لا تنهض ببطولات الزيف ولا تصنع حضارة بالأصوات العالية، بل تُبنى بعرق العارفين وصبر المخلصين وهدوء أولئك الذين يعرفون متى يتكلمون ومتى يصمتون.

وإذا كان الجهل قد أصبح مهنة، فعلى الأقل لا تكن أنت من زبائن هذا السوق… واحرص أن تظل تلميذًا في مدرسة الوعي، ولو ضحك عليك الجميع. ففي زمن الفوضى، يكفيك شرفًا أنك اخترت أن تكون من أهل النور، لا من عابري الظلال.