في مجتمعاتنا كائنٌ عجيب يستحق أن يُدرَّس لا في كليات الشريعة ولا في أقسام علم النفس وحدها، بل في متحف الكائنات المتحولة. تراه دائمًا في الصف الأول، صوته عالٍ، وسبحته أطول من قائمة ذنوبه التي يحصيها للآخرين لا لنفسه. يتحدث عن النار وكأنه يحمل مفاتيحها، وعن الجنة كأنه وكيل حصري لتوزيع صكوك الدخول، بينما لو فتشت خلف الستار لوجدت مسرحًا مظلمًا لا يصلح حتى لعرض مسرحي رديء.

هذا النموذج لا يخطئ كثيرًا، لأنه لا يرى نفسه أصلًا في موضع الخطأ. هو دائمًا فوق الشبهة، محاط بهالة “الشيخ المحترم”، تلك الهالة التي تعمل كدرع واقٍ ضد المنطق، وضد الأسئلة، وضد أي محاولة للفهم. فإن اعترضت، فأنت قليل الدين. وإن شككت، فأنت سيئ النية. وإن طالبت بالحساب، فأنت عدو الفضيلة. هكذا تُدار اللعبة ببساطة مذهلة.

الطريف المبكي أن هذا الكائن يعشق الحديث عن الأخلاق أكثر من عشقه للأخلاق نفسها. يحفظ النصوص عن ظهر قلب، لكنه يعاني من فقدان تام للضمير. يرفع سبابته في وجه زوجته، ويُسقطها على رأسها كلما أراد أن يخرسها، فتصبح هي دائمًا المقصّرة، وهو دائمًا المعلّم، حتى وهو يغرق في مستنقعه الخاص بكل هدوء وثقة.

وفي الليل، حين تنطفئ الأنوار وتغيب الكاميرات، يسقط القناع كما يسقط المكياج الرخيص تحت المطر. يتحول الواعظ إلى مفترس، والخطاب إلى تهديد، والدين إلى أداة ابتزاز نفسي. ثم، عندما تُكشف الجريمة، لا يتفاجأ إلا الساذج، لأن المسرحية كانت مكتوبة منذ البداية، لكن الجمهور اختار التصفيق بدل القراءة.

الأكثر كوميدية، إن جاز التعبير، هو جوقة الدفاع التي تظهر فجأة. أقارب، ومعارف، وأصدقاء فضيلة موسميون، يبدؤون بعزف معزوفة التشويه المعتادة: الضحية سيئة السمعة، والبلاغ مؤامرة، والاعتراف مجرد “لحظة ضعف”. لحظة ضعف تمتد لسنوات، لكنها – بطريقة سحرية – لا تُحسب زمنًا.

هذه النوعية من البشر لا تخيفها القوانين بقدر ما تطمئنها ثقافة الصمت. تعيش على الخوف، وتتغذى على التقديس الأعمى، وتزدهر كلما خلطنا بين الاحترام والمناعة من المساءلة. هم لا يحتاجون إلى ذكاء خارق، بل إلى مجتمع يكره الفضيحة أكثر مما يكره الجريمة.

السخرية السوداء هنا ليست للضحك، بل للنجاة. لأن أخطر ما في هؤلاء ليس أفعالهم وحدها، بل قدرتهم على الاندماج في المشهد، والتكلم باسم القيم، بينما هم أول من يدهسها. والتوعية الحقيقية تبدأ عندما نفهم أن التدين ليس صوتًا مرتفعًا، ولا موقعًا اجتماعيًا، ولا عمامة ولا لقبًا، بل سلوك يُختبر حين تغيب الأعين لا حين تكثر.

هذه ليست مقالة عن شخص، بل عن قناع… والقناع يسقط دائمًا، لكن بعد أن يدفع الأبرياء الثمن، إن لم نتعلم أن نراه مبكرًا.