عزيزي القارئ الفاضل…
تعالَ نأخذ هذه الحقنة معًا. لا تقلق، هي في العضل، لن تقتلك، لكنها قد تعيد لك حاسة الشمّ التي فقدتها وأنت تتنفس هواء الترندات المُعلّب. قد توقظك، وقد تجعلك تضحك حتى الألم، ضحكًا مرًّا لا يخلو من الوجع.
في الأزمنة التي لم تكن بعيدة كما نحب أن نُقنع أنفسنا، كان الإعلامي يشبه الجرّاح. يمسك الكلمة كما يمسك المشرط، يعرف أن حركة خاطئة قد تودي بحياة مريض اسمه «الوعي العام». كان يدرك أن الصمت أحيانًا أرحم من الكذب، وأن الحقيقة وإن آلمت، تشفي.
أما اليوم، فنحن في عصر إعلامي جديد لا يحتاج قلمًا ولا ضميرًا، بل كشكًا خشبيًا قديمًا، وعلبة سجائر رخيصة، ولافتة مائلة مكتوب عليها:
«نبيع ما يطلبه الجمهور الغاضب… ترندات، شائعات، دموع، فزّاعات. ادفع وخذ ما يرضي مزاجك اليوم».
الإعلامي الحقيقي، يا صديقي، يشبه ذلك الصيدلي العجوز الذي لا يعرف المجاملات. تدخل عليه متعبًا، تقول: «أنا محتاس… عايز أسمع كلام يريحني».
فيرد عليك ببرود قاتل: «خذ هذا الدواء. مُرّ، ستلعنني وأنت تتناوله، وقد تكرهني أيامًا، لكنه العلاج الوحيد».
مبدؤه ثابت، لا يتزحزح، لا يتدحرج مع الجموع، ولا يعترف بإلغاء الجاذبية لأن الترند قال ذلك.
هو لا يصرخ، لا يرقص، ولا يبدّل رأيه مع تغيّر الطقس الرقمي. يقول كلمته كرصاصة، ويغادر المشهد، حتى لو مشى وحده في طريق مظلم. وإن أخطأ، يخرج بلا التفاف ويقول: «أنا أخطأت». وهي جملة أصبحت اليوم نادرة كالصّدق السياسي.
سؤاله الدائم ليس: «الناس عايزة تسمع إيه عشان أحقق ملايين المشاهدات؟»
بل: «الناس محتاجة تعرف إيه عشان ما تمشيش وهي مغمضة؟»
أما إعلامي كشك السجائر، فلا يسألك عن المرض أصلًا، بل عن المزاج… والمحفظة. لا يملك رأيًا، بل قائمة أسعار.
إن أحب الناس نظرية مؤامرة تقول إن الشمس تشرق من مغارة في القطب الجنوبي، سيحضر لك «خبيرًا» مستأجرًا، وخريطة مفبركة بإتقان فوتوشوبي، ويقسم لك أنه كان يقول هذا الكلام منذ كان رضيعًا. بضاعته حسب الطلب:
إن كان الترند غضبًا، باعك صراخًا.
وإن كان خوفًا، باعك رعبًا.
وإن كان هوسًا، باعك فزّاعة جديدة.
موقفه يتغير بسرعة مذهلة: صباحًا معك، ظهرًا ضدك، مساءً يلعن الجميع إن لم يدفعوا ثمن الإعلان. وإن أشعل حريقًا بكلماته ثم خمد الترند، خرج ضاحكًا ليقول: «كنت بهزر»، أو اتهم «المونتاج الكيدي» بعد أن قصّ الحقيقة بيده.
هو يملك جهاز رادار متطورًا لا يلتقط الطائرات، بل سؤالًا واحدًا لا يتغير:
«الترند… فين؟»
المشكلة، يا عزيزي، ليست في كثرة المنصات. النوافذ الكثيرة قد تدخل الضوء، لكنها أدخلت الناموس أيضًا. والناموس لا يكتفي باللسع، بل يطالب المصابيح أن تنطفئ لأنها «نخبوية ومملة».
أصبح الصراخ رأيًا، والوقاحة شجاعة، والجهل «رأيًا آخر يجب احترامه»، مع اقتراح بتدريسه في الجامعات.
الإعلامي الصادق قد يخسرك اليوم لأن الحق مرّ، لكنه يكسبك غدًا إنسانًا واعيًا.
إعلامي المصلحة يكسبك اليوم لأن الكذب شهيّ، لكنه يسرق عقلك ومحفظتك على أقساط مريحة.
الأول يتركك تفكر، والثاني يتركك تهتف.
والفرق بين التفكير والهتاف هو الفرق بين جرّاح يعالج، وتاجر أوهام يُخدّر. الفارق بين الرجلين بسيط، لكنه موجع كوخزة الإبرة الأخيرة:
هذا يرى نفسه خادمًا للحقيقة، وذاك يرى الحقيقة خادمة تعمل في كشكه.
هذه ليست خطبة، ولا وصاية على أحد. هي فقط حقنة صغيرة في العضل.
قد تضحكك بعين دامعة، لكننا نأمل أن يكون مفعولها طويلًا… ومقاومًا للتخدير الإعلامي.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.