في بلادنا العربية، لا تحتاج إلى أجهزة متطورة لكشف المعادن، ولا إلى كاميرات حرارية لكشف اللصوص، ولا حتى إلى قوانين صارمة لضبط المجتمع. أنت فقط تحتاج إلى عين مبصرة لترى تلك الكائنات العجيبة التي تتغير ألوانها بسرعة أسرع من مروحة سقف قديمة. هؤلاء الذين يحبون الوطن حتى آخر قطرة ضوء من الكاميرا، ويتنفسون مكافحة الجريمة حتى آخر جملة تسمح لهم بالظهور. أما بعد ذلك؟ فالحقائق تتبخر، والمبادئ تتعطل، والضمير يدخل في إجازة مفتوحة.
المتلونون هم أبطال المشهد بلا منازع. يبدأ يومهم بسبّ الرئيس الراحل الذي لا يمكنه الرد، ثم ينتقلون بعد دقائق إلى مدح الرئيس الحالي ببلاغة تجعل المتنبي يقف احتراماً لهم. وحين يغادر هذا الرئيس منصبه، يتغير الموقف في لمح البصر. فجأة يصبح الحبيب عدوّاً، والمصلح مفسداً، وأبو الإنجازات يصبح أبو المصائب. أما لماذا؟ فلأن الرياح تغيّرت، وهم – بحمد الله – مرنين، مطاطيين، وأصحاب قلوب تتقلب كالفطير المشلتت على الصاج.
هؤلاء لا يعرفون معنى ثابتاً لأي شيء. القضية التي يرفعونها اليوم قد يدفنونها غداً بمراسم رسمية، فقط لأنها اصطدمت بمصالحهم الشخصية. تراهم في القضايا العامة يتصدرون الصفوف الأولى، يتحدثون عن الشرف، العدالة، حقوق الضعفاء، والوقوف في وجه الفساد. ولو سألتهم عن السبب، سيقولون إنها مسؤولية وطنية. أما الحقيقة فهي أن الكاميرا كانت تعمل، والجمهور كان متواجدًا، والظهور كان مجانياً.
ثم يحدث ما يشبه المعجزة. تدخل القضية في منطقة حساسة لها علاقة بمصالحهم، وهنا تنكشف اللعبة. تصبح الجريمة سوء تفاهم، والسرقة خطأ إداري، والفساد زلة قدم، والمظلوم متجاوزًا للحدود، والمجرم إنساناً محترماً له ظروف قاسية. كل شيء يتبدل، كل الموازين تُقلب كعلبة مكياج، وكل المبادئ تتحول إلى بخار. الحرام يصبح حلالاً، والحلال يصبح حراماً، فقط لأن الجاني هذه المرة "من جماعتهم".
الطريف – والمبكي في الوقت ذاته – أن هؤلاء هم أول من يطالب الناس بأن يكونوا وطنيين، شرفاء، ثابتين على المبادئ، مع أنهم أنفسهم لا يثبتون على رأي لمدة كأس شاي واحد. يكفي أن تتغير المصلحة، أو أن يظهر عرض أفضل، حتى يتحولوا إلى نسخة جديدة تماماً من أنفسهم، نسخة بالكاد تتعرف عليها إن رأيتها في الشارع.
لكن، وعلى الرغم من هذا كله، تبقى هناك نقطة مضيئة. السخرية منهم ليست هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة لطيفة – لكنها قاسية – لفتح العيون. المجتمع لا يقوم على المتلونين، بل على من يعرفون الفرق بين المصلحة والمبدأ، بين الحق والصورة، بين الوطن والبلاط. والوعي يبدأ حين نتوقف عن التصفيق للوجوه المتغيرة، ونبدأ بالنظر خلف الأقنعة، حيث الحقيقة أكثر بساطة… وأكثر إيلاماً.
ولذلك، فإن الضحك ليس نهاية المقالة، بل بدايتها. الضحك على المتلونين مجرد خطوة أولى، لأن الخطوة الأهم هي أن ننظر في المرآة، ونسأل أنفسنا سؤالاً حقيقياً:
هل نحن ثابتون على مبدأ؟ أم أننا نحن أيضاً نغيّر اللون حين يتغير الضوء؟
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.