في الأيام الماضية، شغل قضية "الشاب الذي أنهى حياته بعد استخدام منصة الذكاء الاصطناعي وطرح أسئلة عن السحر والجن" الرأي العام. كثرت الشائعات، وبدأ الناس يتبادلون الاتهامات، خاصة تجاه هذه المنصات الذكية وعلى رأسها "تشات جي بي تي".
البعض حمّل المنصة المسؤولية الكاملة، والبعض اتهم التكنولوجيا بأنها سبب كل مصيبة.
فهل هذا حقيقي؟
لنقترب من الصورة الكاملة بحقائق هادئة، ونكشف الوهم من الحقيقة، بعيدًا عن المبالغات والتخويف.

ما الذي حدث بالضبط؟

بحسب ما تداولته وسائل الإعلام وبعض الصفحات، هناك شاب دخل على منصة ذكاء اصطناعي (تشات جي بي تي)، وبدأ يسأل أسئلة عن السحر وتحضير الجن، وربما تلقى ردودًا وصفها البعض بأنها "خطيرة" أو "مضللة".
تضاربت الروايات، فالبعض قال إن الردود شجعته على التجربة أو أعطته طرقًا مباشرة، والبعض الآخر أكد أن الشاب كان يعاني من مشاكل نفسية أصلاً، وأن ما حدث كان نتيجة معاناة سابقة لا علاقة لها بأي رد أو منصة.

هل يمكن لأي أحد أن يسأل الذكاء الاصطناعي عن السحر والجن ويأخذ إجابات خطيرة؟

باختصار:
أي منصة ذكاء اصطناعي مسؤولة مثل تشات جي بي تي، لديها أنظمة أمان قوية تمنع الإجابة على أي سؤال فيه خطر، مثل (طرق الانتحار، صناعة المتفجرات، الإضرار بالنفس أو الغير، تفاصيل السحر وتحضير الجن...)
عادةً إذا حاول شخص أن يسأل أسئلة من هذا النوع، سيجد المنصة ترفض الإجابة، وتقدم تحذيرًا بأن هذا الأمر مخالف للسياسة وخطير نفسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا.

لكن هل هناك ثغرات؟
في بعض الأحيان، وبسبب التطور المستمر للذكاء الاصطناعي، قد يجد البعض طرقًا للالتفاف على أنظمة الأمان. وهذه ليست ميزة ولا تشجيعًا، بل هي تحدٍّ تقني تعمل الشركات يوميًا على إغلاقه وتطويره

هل الذكاء الاصطناعي يمتلك "نية" أو "رغبة" في الأذى؟

لا، إطلاقًا.
الذكاء الاصطناعي (مثل تشات جي بي تي) هو برنامج حاسوبي يعتمد على معالجة النصوص والبيانات. لا يفهم ولا يشعر ولا يمتلك هدفًا أو رغبة في إيذاء أي إنسان.
هو ببساطة "يولّد" جُملاً استنادًا إلى ما تم تدريبه عليه، ولا يعرف العواقب الحقيقية خارج نطاق البيانات التي حُددت له.

لماذا لا يجب تحميل المنصة أو الذكاء الاصطناعي مسؤولية قرار إنساني مأساوي؟

لأن الذكاء الاصطناعي أداة—تمامًا كالهاتف أو الإنترنت أو التلفزيون.
لو دخل شخص على أي موقع وقرأ شيئًا مؤذيًا، فالمسؤولية مشتركة: هناك دور للمنصة في الحماية، وهناك دور للإنسان نفسه (وعائلته ومجتمعه) في المتابعة والرعاية والدعم النفسي.

هل نغلق الإنترنت لأن هناك من استعمله بطريقة سيئة؟
هل نمنع الكتب لأن بعضها يحمل أفكارًا متطرفة؟
المشكلة الأعمق دائمًا نفسية أو اجتماعية أو تعليمية، ويجب ألا نبحث عن "كبش فداء" لنعفي أنفسنا من مسؤولية التربية والتوعية والاحتواء.

سؤال وجواب (لإغلاق كل منافذ الجدل):

1. هل فعلاً يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعلّم أحد السحر أو تحضير الجن؟

لا. السياسات تمنع ذلك، وإذا حدث يومًا فهي ثغرة تُغلق فور اكتشافها، وليست خطة أو مؤامرة.

2. هل الذكاء الاصطناعي يعرف "الجن" أو "السحر" كما يعتقد البعض؟

لا، هو يكرر معلومات من نصوص عامة، ولا يمتلك أي علم غيبي أو قدرة على "التحضير" أو التوجيه لطرق حقيقية. لو سألته عن السحر سيجيب من واقع الكتب أو الأساطير، لا من واقع قدرة حقيقية.

3. لماذا يصدق الناس الشائعات بسهولة؟

لأن الخوف من الجديد، والرغبة في إيجاد متهم، أسهل من مواجهة تعقيدات النفس البشرية أو مشاكل التربية أو الضعف النفسي.

4. هل من الخطر أن يترك الأبناء وحدهم مع الإنترنت أو الذكاء الاصطناعي؟

نعم، دائمًا هناك خطر من ترك أي طفل أو مراهق مع أي وسيلة تقنية دون رقابة أو توعية.
دور الأسرة أكبر من دور أي تقنية—هي الحاضنة الأولى، وهي من تزرع الوعي والقدرة على التمييز.

5. ماذا أفعل إذا لاحظت ابني/صديقي مهتمًا بمواضيع غريبة أو خطيرة؟

افتح حوارًا هادئًا دون اتهام أو توبيخ. استمع له، واعرض عليه الدعم النفسي، وشارك معه حقائق الأمور.
وفي حال الضرورة استعن باختصاصي نفسي.

6. هل الذكاء الاصطناعي مؤامرة ضد العرب أو المسلمين؟

لا أساس لهذا الكلام. هو تقنية عالمية تُستخدم في الطب والتعليم والبحث العلمي، وسلاحها في يد من يستعملها—للخير أو للشر.

7. هل يمكن محاسبة المنصات لو حدث خطأ؟

نعم، كل المنصات تحت رقابة قانونية وتقنية صارمة، وأي تجاوز يُحاسَب عليه فورًا.

كيف نتعامل مع التكنولوجيا بأمان؟

  • لا تترك أبناءك دون توعية أو متابعة.

  • استعمل الإنترنت وأدوات الذكاء الاصطناعي فيما يفيدك، ولا تبحث عن الغرائب أو الممنوعات.

  • إذا صادفت أي محتوى مؤذٍ، أبلغ عنه فورًا للمنصة أو الجهات المسؤولة.

  • لا تصدق كل ما يُقال، وابحث دائمًا عن المصادر الموثوقة.

خاتمة ونصيحة لكل قارئ:

الخوف من الجديد طبيعي، لكن الشجاعة الحقيقية هي أن نواجهه بالفهم والوعي، لا بالخوف والشائعات.
الذكاء الاصطناعي أداة، مثل القلم أو السكين: يمكن أن تكتب به علمًا أو أن تؤذي به نفسك. القرار في النهاية بيد الإنسان، والواجب علينا أن نحمي بعضنا ونزرع في أبنائنا حصانة الوعي، بدل أن نلقي التهم على كل جديد أو نبحث عن "شيطان تكنولوجي" وهمي.

فلنتوقف عن لوم التقنية، ولنواجه مشاكلنا بالعلم والحوار والرحمة.
ولو مررت أو مرّ أحد تعرفه بأزمة نفسية، لا تتردد أبدًا في طلب المساعدة أو تقديم الدعم… فالحياة أغلى من أن نضيعها بسبب جملة أو إشاعة على الإنترنت.