منذ أن بدأ الإنسان يرفع رأسه نحو السماء بحثاً عن تفسيرٍ لهذا الكون المترامي، وهو يحمل في داخله شغفاً لا يهدأ لربط الأحداث وفهم ما يجري حوله. وعندما تضيق بنا المعرفة أو تعجز الأدوات العلمية عن تقديم إجابة فورية، يسارع بعض الناس إلى ملء الفراغ بالسرديات الأسهل والأكثر إثارة، تلك السرديات التي ترتكز على فكرة واحدة: “هناك من يتحكم بكل شيء”. وهكذا تتسع مساحة الظن وتتراجع مساحة العقل، فتولد ما نطلق عليه اليوم “نظرية المؤامرة”؛ مرآة مضببة تُظهر العالم كتسلسل محكم من الخطط الخفية، وتُقصي فكرة الصدفة، وتلغي احتمال الخطأ البشري أو التعقيد العلمي، لتحل محلها رؤية بسيطة، لكنها مضلّلة، تجعل كل شيء يبدو كنتاج يد خفية خارقة.
وقد بلغ هذا النمط من التفكير ذروته في جائحة كورونا، تلك التجربة التي شكلت اختباراً حقيقياً لمدى قدرتنا على التمييز بين العلم والوهم. ففي الوقت الذي كان فيه العلماء ينهمكون في تحليل الفيروس، وفهم طبيعته، وتطوير لقاحات تنقذ البشر، كانت منصات التواصل تتحول إلى مسرحيات متخيلة؛ قصص عن شرائح إلكترونية تُزرع في الأجساد، وتكنولوجيا نانوية تتحكم بالبشر عن بُعد، وحكومات تخطط لفرض سيطرة مطلقة على الشعوب. وما زاد الأمر غرابة أن بعض من يروّج لهذه الأفكار لا يدرك أبسط المبادئ العلمية؛ فالجسم البشري ليس بيئة تسمح بعمل شرائح اتصال متناهية الصغر دون مصدر طاقة أو آلية بث، ولا يمكن لسائل يُحقن في الذراع أن يتحول فجأة إلى جهاز مراقبة متصل بالأقمار الصناعية. المفارقة الساخرة أن الهواتف التي نحملها طواعية في جيوبنا تعرف مواقعنا وعاداتنا وبياناتنا بشكل أدق مليون مرة مما قد تحققه أي “شريحة خيالية”، ومع ذلك يتجاهل الكثيرون هذه البديهية ويواصلون نسج الروايات الأكثر إثارة.
ولم تتوقف دوامة الشك عند حدود التكنولوجيا، بل امتدت لتطال الجغرافيا والسياسة. فالصين – مثلاً – كانت محوراً لكثير من هذه الروايات، إذ اعتبر البعض أن انخفاض أعداد الإصابات المعلَن هناك مقارنة بعدد السكان دليل حاسم على أنها وراء تصنيع الفيروس. وفي الواقع، فإن تفسير هذه الظاهرة لا يحتاج إلى قفزات خيالية بقدر ما يحتاج إلى فهم طبيعة النظام السياسي الصارم، والإجراءات الحديدية التي فُرضت، والالتزام المجتمعي المعروف، وهي أسباب موضوعية كافية لتفسير الفوارق في الأرقام. لكن العقلية المؤامراتية لا تحب التفسيرات البسيطة، لأن البساطة لا تُشبع رغبة التوقع والتهويل، ولا تمنح الشعور اللذيذ بأننا نمتلك “معرفة سرية” لا يعرفها الآخرون.
ومع مرور الوقت، لم يعد هذا النوع من التفكير يقف عند حدود الوباء، بل تمدد ليغطي كل ما يحدث في العالم؛ من الاقتصاد إلى المناخ، ومن التكنولوجيا إلى السياسة، حتى وصل بالبعض إلى الحديث عن غزو للكائنات الفضائية وسيطرة على مصائر البشر. ورغم أن التاريخ مليء بالمكائد والتجاذبات السياسية والحروب الباردة التي تسعى فيها الدول لخدمة مصالحها، فإن هذه الأحداث تظل محكومة بقدرات بشرية محدودة، وأهداف واضحة، وظروف واقعية. أمّا الاعتقاد بوجود “قوة سرية مطلقة” تتحكم في ثمانية مليارات إنسان وفي حركة الفيروسات والكواكب فهو تصور لا يستند إلى علم ولا منطق. إنه هروب من التعقيد نحو تفسير سهل، لكنه مضلل، يُغني عن التفكير لكنه يسلب الإنسان جوهر وعيه.
إن خطورة هذا النمط من التفكير لا تكمن في الأفكار نفسها، مهما بدت غريبة، بل في أثرها العميق على الإنسان. فالعقل الذي يصدق أن كل شيء مؤامرة، هو عقل يفقد تدريجياً ثقته بالعلم، ويشكك في الطب، ويتعامل مع الواقع بروح المهزوم. إنه عقل يُسلم نفسه للخوف، ويستبدل الفعل بالانتظار، والمسؤولية بالتشكيك، فيتحول الإنسان من صانع للتغيير إلى متفرج على وهم كبير يعتقد أنه يحكمه. وهذا نوع من الاستسلام يضر بالأفراد والمجتمعات معاً، لأنه يقطع صلاتهم بالمعرفة، ويمنعهم من اتخاذ قرارات واعية مبنية على الحقائق، ويتركهم رهائن لخطاب إثاري لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن المزيد من المشاهدات.
إن العالم ليس مثالياً، وهناك بالفعل مصالح تتصارع ومعلومات تُخفى وصراعات تُدار في الخفاء؛ لكن هذه الوقائع جزء من السياسة الطبيعية التي عرفها البشر منذ فجر التاريخ، وليست دليلاً على وجود قوة غيبية تدير الكون من خلف الستار. والوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن للحياة قدراً من الفوضى، وأن الطبيعة قادرة على مفاجأتنا، وأن العلم ليس عصاً سحرية لكنه أفضل أدواتنا لفهم ما يجري. وبدلاً من أن نصنع لأنفسنا عدواً وهمياً في كل حدث، علينا أن نعود إلى أبسط قاعدة عرفتها البشرية: التفسير العلمي الواضح غالباً أقرب إلى الحقيقة من الروايات المثيرة التي لا تستند إلى دليل.
إن تحرير العقل من أسر نظرية المؤامرة ليس مهمة فكرية فقط، بل هو استعادة لحريتنا وقدرتنا على اتخاذ القرار. فالعقل هبة عظيمة، وإنكار دوره وتركه رهينة للخوف هو المؤامرة الحقيقية التي نصنعها بأيدينا. وبين عالمٍ مليء بالأسئلة وعقلٍ قادر على الفهم، يبقى الخيار لنا: إما أن نرى العالم على حقيقته، أو نغرق في ظلال الوهم ونعيش في حرب لا وجود لها إلا في أذهاننا.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.