إذا ظننت يوماً أن سوق الخضار هو أكثر الأماكن عبثية في العالم، فاسمح لي أن أدعوك إلى مزاد الأعضاء البشرية الجديد في جمهورية السوشيال ميديا المتحدة، حيث يباع كل شيء… حتى المخ—نعم المخ—وبأسعار تبدأ من “على قد الإيد” وحتى فئة “VIP بلا فائدة”!
أول ما تصل السوق، ستلاحظ لافتة براقة كُتب عليها “عروض الصيف على أعضاء فرز أول—مضمونة لم تُستعمل إلا في الطاعة!”
يستقبلك أحد السماسرة بابتسامة ثلاثية الأبعاد، ويعرض عليك كلية مستوردة “من مواطن كان يشرب مياه معدنية فقط!”، وفوقها عرض خاص: “اشترِ كبدة أصلية وخذ معك قلب منزوعة منه مشاعر الندم مجاناً!”

ولأصحاب الذوق الرفيع فقط، هناك قسم VIP
من أشهر صفقاته قصة الأستاذ فخري باشا، رجل محترم أمضى حياته يحل الكلمات المتقاطعة، وفي لحظة تجلي اكتشف أن مخه أصبح فائض عن حاجته—فقرر أن يتبرع به للجمعية الدولية لعشاق البنج والمخدر… يقول فخري: “لو كان فيه حد عاوز مخي، أهديه له، أصل فعلاً في الزمن ده المخ تقيل عالقلب ومش جايب همه!”

أما عن المغامرين وعشاق الأنتيكات، فقد ابتكر السوق قسمًا جديدًا: “قطع غيار من كائنات فضائية”. فهناك من يروج لك “طحال نادر مستورد من كوكب زحل”، أو “طحال يعمل على الطاقة الشمسية فقط”. ويُقال أن أحد المشترين اشتكى بعد أسبوع أن الكبد الجديد يصدر موجات Wi-Fi غير مشفرة!

ولا يكتمل السوق دون ركن “الأعضاء المسروقة”، تلك الأعضاء التي تدخل في ظلام وتخرج في مزاد علني، وسط صفقات وصياح وهتافات “عاش العدل!”، والجميع يتساءل: هل فعلاً هناك أعضاء فرز أول وفرز تاني؟ وهل العضو المستورد أفضل من المحلي؟
أما المواطن العادي، فهو في حيرة: هل يبيع كليته لشراء موبايل جديد أم يصبر حتى ظهور عروض الجمعة البيضاء على العيون والرئتين؟

ولا تنس القسم الخاص بالتبرعات، حيث يأتيك شاب في مقتبل العمر يقول: “قررت أتبرع بضميري، لأني لاحظت إنه مش مستخدم عندي من مدة طويلة”، وتجد طفلاً يسأل: “هو ممكن أبيع عصبيتي؟ أصلها مسببة لي مشاكل كتير في البيت والمدرسة!”

وعلى هامش السوق، يجلس حكيم عجوز يضحك حتى الدموع ويقول: “يا أولادي، في سوق الأعضاء الحقيقي ليس المشكلة في بيع الأعضاء، بل في بيع الضمائر والعقول قبلها!”

في نهاية اليوم، وبعد انتهاء المزاد، يعود الناس إلى بيوتهم بأعضاء جديدة (أو بلا مخ ولا قلب)، وتبقى الحقيقة المؤلمة: أغلى ما يمكن أن تملكه—في بلد أو زمن كثرت فيه الأسواق السوداء—هو ضمير حي، وقلب ينبض إنسانية، وعقل لا يباع ولا يُشترى.