لعل أكبر مظلمة وقعت على المرأة في عصرنا الحديث هي تحويل قضية حقوقها إلى شعارات جوفاء، ومعارك فارغة على صفحات التواصل أو شاشات التلفاز، دون الغوص في جوهر ما تحتاجه فعلاً: التقدير الحقيقي لإنسانيتها، ودعمها لتعيش كيانها كاملاً، لا نصف إنسان ولا ظلًّا لغيرها.
المساواة الحقيقية ليست أن تُقلّد المرأة الرجل في كل شيء أو أن تخوض معركة إثبات ذات لا تنتهي. بل المساواة أن يكون لها الحق في أن تختار طريقها بنفسها، أن تُحترم أفكارها وطموحاتها، وأن تحيا في مجتمع يرى في أنوثتها قوة لا عيبًا، ويدعم تفرّدها لا يحاصرها بالقوالب.
من واقعنا، نرى أن المرأة تعيش بين مطرقة التقاليد القديمة التي لا ترحم – حيث يُفرض عليها كيف تلبس وتتصرف وتختار شريك حياتها بل وحتى كيف تحلم – وسندان الحداثة الزائفة التي تبيعها وهماً جديداً باسم الحرية والانفتاح، لكنها في النهاية تستغلها في الإعلانات والأفلام كمجرد صورة أو أداة استهلاكية، دون النظر لعقلها أو قلبها أو قيمتها كإنسان له رسالة.
وتواجه المرأة اليوم تحديات يومية تبدأ من المنزل ولا تنتهي في سوق العمل أو المجتمع: كيف توازن بين الطموح الشخصي ومسؤوليات الأسرة؟ كيف تواجه تمييزًا خفيًا في أماكن العمل رغم كل القوانين؟ كيف تتحدى أحكام الناس إذا اختارت أن تكون مختلفة أو تصمت أمام ما لا يرضيها؟
كم من امرأة تحمل شهادات عليا، لكنها تُعامل في العمل كأنها مجرد موظفة ثانوية؟ وكم من فتاة تُمنع من اختيار طريقها خوفًا من "كلام الناس" أو سطوة العادات التي لم ينزل بها من سلطان؟
ولا يمكن أن نتجاهل الصراعات الداخلية للمرأة نفسها، بين الإحساس بضرورة التفوق الدائم، وبين ضغط المجتمع لتكون "كاملة" في كل الأدوار… زوجة وأم وموظفة وابنة وصديقة… بينما المجتمع يغفر للرجل أي تقصير لكنه يطالب المرأة بالكمال على الدوام.
لكن في المقابل، هناك قصص نجاح ملهمة لنساء صنعن فرقًا حقيقيًا في مجتمعاتهن؛ نساء اقتحمن مجالات كانت يومًا ما حكراً على الرجال، وأثبتن أن العقل والعزيمة والإبداع لا جنس لها. المرأة التي وجدت الدعم الحقيقي من أسرتها أو مجتمعها استطاعت أن تُبدع وتغيّر وتترك أثرًا.
الحل ليس في رفع الشعارات، بل في بناء بيئة داعمة تشجع المرأة على أن تكون هي نفسها؛ أن تحلم بلا حدود، وأن تخطئ وتتعلم مثل الجميع، وأن تجد الاحترام والتقدير في بيتها قبل أن تبحث عنه في الشارع أو المكتب. الأسرة التي تزرع في بناتها الثقة والحب، وتعلم أبناءها احترام أخواتهم وأمهاتهم، تصنع فرقًا في جيل كامل.
والإعلام والمدرسة شريكان في تغيير الصورة النمطية، بطرح نماذج واقعية، والاحتفاء بالعقل والعطاء لا بالمظهر فقط.
وفي النهاية، ستظل المساواة الحقيقية هي أن نحترم اختلاف المرأة، ونحتفي بتنوعها، ونمنحها حرية الاختيار والدعم للنمو، لا أن نفرض عليها شكل حياة معين أو نحولها إلى سلعة في معركة إعلامية لا تنتهي.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.