من يتأمل مشهد السوشيال ميديا اليوم يشعر وكأنه يسير في سيرك مفتوح: جمهور ضخم يبحث عن أي قضية ساخنة لينقسم حولها فورًا إلى فريقين، مع أو ضد، ثم يبدأ السجال: سباب، اتهامات، تشكيك، وخطب نارية لا تنتهي. هل فكّر أحدنا أن ينظر يومًا للصورة من بعيد، من خارج دائرة الجدال؟ هل سألنا أنفسنا: إلى أين نمضي بهذه المعارك اليومية؟
خذ أبسط مثال: قضية مروة يسري، أو كما يحبون تسميتها "ابنة حسني مبارك". فريق كامل يرفع شعار "كلنا مروة"، يناصرها بلا دليل أو فهم حقيقي للموضوع، وفريق آخر يصرخ "أين الدلائل؟" ويدخل في معارك شرسة يضيع فيها المنطق، فلا أحد يستمع لآخر، والجميع ينتظر الفرصة للرد، لا للفهم أو الإصلاح. السؤال البسيط هنا: ماذا فعلت لمن تناصرها سوى كتابة منشور أو تعليق؟ هل ذهبت إلى زيارتها، أو حتى فكرت أن تقدم لها مساعدة حقيقية؟ هل بحثت عن الحقيقة أم اكتفيت بترديد ما يُقال في وسائل الإعلام؟
الحقيقة المرة أن أغلبنا لا يفعل شيئًا سوى ترديد الشعارات، حتى أصبحنا مجتمعًا يعيش في حالة طوارئ دائمة، يبدّد وقته في مطاردة القضايا التافهة ويترك جوهر الأمور معلّقًا بلا حل. يتفاخر البعض بأنه مع أو ضد، وكأن الانحياز في معركة “وهمية” هو غاية الغايات، بينما تبقى القضايا الحقيقية في قاع النسيان: لا اختراع، لا إنتاج، لا إبداع، فقط ضجيج بلا طحن!
ولو توقفنا للحظة، ونظرنا إلى المشهد من الأعلى، سنكتشف الحقيقة التي يحاول الجميع تجاهلها: لسنا سوى دمى تتحرك بخيوط الإعلام والجهل والفراغ. كلما ظهرت قضية جديدة، جرى الجميع خلفها كالقطيع، ينسى القضايا القديمة، ويتعلق بجديدة أكثر إثارة للجدل، وكأننا في سباق مستمر على من يجادل أكثر ويصرخ أعلى!
وبينما تشتعل هذه المعارك الصغيرة هنا، هناك من يضحك من بعيد ويواصل بناء دولته، وتطوير اقتصاده، وتحسين معيشة شعبه، ونحن ما زلنا نناقش هل كانت مروة هي فعلاً ابنة فلان، أو هل فلان يستحق لقب البطولة في لعبة لا تغيّر من الواقع شيئًا.
الحل يا صديقي ليس في عرض المشكلة مرارًا وتكرارًا، ولا في محاولة إقناع هذا الفريق أو ذاك، ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن يركض خلف “الترند” اليوم سيركض خلف غيره غدًا، بلا وعي أو هدف.
الحل هو في تعليم الشعب، تعليمًا حقيقيًا يزرع في العقول القدرة على التفكير النقدي، ويربي في النفوس قيمة العمل لا الجدل، وقيمة الإنتاج لا الاستهلاك. مجتمع منشغل بالعلم والإبداع والعمل، لن يجد وقتًا للمهاترات ولا ساحة للفراغ، بل سيبني نفسه بنفسه، ولن ينتظر من يحرك خيوطه أو يصنع له معارك وهمية كي يشعر بوجوده.
كل دقيقة تضيعها في جدال بلا فائدة، هي دقيقة سرقها منك الجهل. وكل طاقة تستهلكها في معركة لا تزيدك علمًا ولا تنفع بها وطنك، هي هدية مجانية لأعداء التقدم.
فلنرفع رؤوسنا، وننظر من بعيد، ونرَ الصورة كاملة: العالم لا ينتظر أحدًا، والدول التي تتقدم فعلًا هي التي شغلت أبناءها بالعلم والعمل وصناعة المستقبل، لا بتتبع القيل والقال.
هل نريد أن نكون جزءًا من التغيير الحقيقي، أم نظل مجرد دمى في مسرح العبث؟
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.