عزيزي القارئ، هل تحلم بأن تصبح من المشاهير في أسبوع واحد، دون أن تتعب في دراسة أو تحمل هم عمل أو تسهر الليالي في المختبرات أو تقرأ الكتب حتى تضع نظارات؟ أبشر! وصفة الشهرة السريعة متوفرة الآن في جميع دول العالم عبر الميديا العبقرية التي لا تضيّع فرصة لاكتشاف المواهب… أقصد مواهب التفاهة.
في بلادنا العجيبة – وربما في كل مكان – أصبح الطريق إلى الثراء والشهرة أسهل مما تتخيل: فقط التقط لنفسك مقطع فيديو وأنت تقوم بحركة عجيبة، أو تشارك في فضيحة تافهة، أو حتى تروي نكتة لا يضحك عليها إلا "الموجوّدون في حفلة التفاهة"، ثم انتظر قليلاً وستجد الصحف والقنوات تتسابق لتحليل إنجازك التاريخي، والإعلانات تنهال عليك من كل حدب وصوب، بل وربما تنال لقب "سفير النوايا الحسنة للضحك على الدقون".
وفي الطرف الآخر، هناك ذلك الشاب أو الفتاة الذين قضوا أعمارهم في المكتبات والمعامل، يجرون أبحاثًا وينافسون على منح علمية ويعلّمون الأجيال… هؤلاء يُعتبرون في عالم الشهرة مجرد "مخلوقات أثرية"، بالكاد يعرفهم أحد، وربما تنتهي حياتهم بسيرة ذاتية طويلة لكن بلا رصيد بنكي أو حتى متابعين على وسائل التواصل.
ولا تتعجب إذا رأيت أحدهم – وهو من نوابغ الرياضيات أو العلوم – يبحث عن عمل يكفيه مصاريف يومين، بينما "ملك الترند" الجديد يُهدى سيارة فاخرة أو شقة في أرقى الأحياء تقديرًا لموهبته في أكل ساندويتش كبير أمام الكاميرا! صدق أو لا تصدق… في بعض البلاد أصبح الناس يقيسون النجاح بعدد المتابعين لا بعدد الكتب التي قرأها الإنسان أو الشهادات التي حصل عليها أو القيم التي رسخها في مجتمعه.
أما الإعلام – ويا للعجب – فلم يعد يبحث عن المبدعين والعلماء، بل صار يقود سباق "من يكتشف التافه الأسرع؟"، وتجد من كانوا في الأمس يتحدثون عن مشاكل الوطن، اليوم يجرون لقاءات مع نجوم "الحموات الفاشينيستات" و"صانعي فيديوهات الضحك الهستيري"، وكل يوم يولد لنا نجم جديد من رحم الصدفة أو الفضيحة.
والنتيجة؟ نشأ جيل يتساءل: لماذا أضيّع عمري في الجد والاجتهاد؟ لماذا أقرأ أو أتعلم أو أتحمل مسؤولية، طالما أن طريق النجومية ممهد لكل من يملك قليلاً من الجرأة وكثيرًا من عدم الحياء؟ صار الشاب يحلم بأن يصبح مشهورًا بأي ثمن، حتى ولو كان ذلك على حساب نفسه أو أسرته أو حتى مجتمعه بأكمله.
هكذا، تتحول التفاهة إلى ذهب، ويصبح الجهل عملة قوية، بينما تذبل شجرة العلم في صمت، ويضيع صوت العاقل بين زحام المهرجين.
فما الحل إذن؟ علينا أن نستفيق قبل أن نصبح كلنا "مواهب ترند". الحل يبدأ من كل بيت ومدرسة وجامعة، بأن نعيد الاعتبار للعلم والمعرفة، وأن نحتفي بالعقلاء والمبدعين لا بالمهرجين. على الإعلام أن يغيّر بوصلة اهتمامه ويعيد للمجتمع رموزه الحقيقية، وعلى الأسر أن تزرع في أبنائها قيمة النجاح الحقيقي الذي لا يقاس بعدد المتابعين بل بعدد العقول التي أضاءوها والأرواح التي ألهموها.
في النهاية، ستبقى المجتمعات التي تحتفي بالعلم والمعرفة هي من تصنع المستقبل، أما التفاهة فهي زوبعة في فنجان… سرعان ما ينتهي أثرها، ويبقى التاريخ يذكر فقط أصحاب البصمات الحقيقية.
اترك تعليقاً
للتعليق، يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب.
بعد تسجيل الدخول، ستتمكن من ترك تعليق بدون الحاجة لكتابة الاسم والبريد الإلكتروني.