‏منذ أكثر من 7 آلاف عام، منح المصري القديم الأفعى مكانة استثنائية، لم يحظ بها كثير من الكائنات، فإذا دخلت أحد المعابد المصرية القديمة، ستلاحظ أنها حاضرة في أكثر من مكان، فوق تيجان الملوك، وعلى جدران المعابد، وحتى داخل النصوص الدينية. ‏لم يكن ذلك مجرد زخرفة أو صدفة، فالمصري القديم لم ينظر إليها باعتبارها كائنًا سامًا، بل رمزًا للقوة والحماية، ويعتقد أنها تقف حارسًا للفرعون وتتصدى لأعدائه. قناع مومياء توت عنخ آمون الذي يضم ثعبان الكوبرا ‏‏حين كانت الأفعى إلهة للحماية ‏ Player ADVERTISEMENT ‏ومع مرور الوقت، صورت الأفعى رمزًا "دينيًا"، إذ ارتبطت بإله الشمس "رع"، حيث كانت الكوبرا تنفث النار في وجوه أعدائه. وفي دلتا النيل، ارتبطت الأفعى بـ"واجيت" التي جسدت في هيئة كوبرا، فاستقرت على تيجان الملوك، رمزًا للحماية. وعلى أطراف الصحراء، ظهرت "ميريت سجر"، التي ارتبطت بالمقابر والعالم الآخر، واعتقد المصريون أنها تحرس أرواح الموتى. بينما اتخذت "رينينوتت" مكانها بين الحقول، حيث ارتبطت بالحصاد وصوامع الغلال، إذ كانت الأفاعي التي تعيش في الأراضي الزراعية تلتهم الفئران والقوارض، وفقًا للأساطير المصرية القديمة. الإله رع مع الكوبرا على الجبين، باعتبارها رمزًا للحماية في الأيقونات المصرية القديمة المعبودة واجيت (وادجيت) في هيئة كوبرا، حامية ملوك مصر السفلى ‏‏لكن كبير الآثاريين بوزارة الآثار، الدكتور مجدي شاكر، يوضح لـ"تليجراف مصر"، أن المصري القديم لم يكن يقدس الأفعى في حد ذاتها، وإنما كان يقدس ما ترمز إليه من قوة وحماية ويقظة، ولهذا السبب ظهرت الأفعى على تيجان الفراعنة، وفي نقوش المعابد والمقابر، خاصة في معابد الكرنك والأقصر وإدفو ووادي الملوك، باعتبارها رمزًا للحماية والقوة. ‏‏ويضيف شاكر أن المصري القديم ربط أيضًا بين الأفعى وفكرة التجدد والخلود، إذ رأى في تبديلها لجلدها رمزًا لاستمرار الحياة والبعث، لافتًا إلى أن هذه النظرة لم تكن واحدة دائمًا، فبينما مثلت الكوبرا الحماية والسلطة، جسد ثعبان "أبوفيس" الفوضى والظلام، ليصبح الاستثناء الوحيد تقريبًا بين رموز الأفاعي في العقيدة المصرية القديمة. كبير الأثاريين بوزارة الآثار، الدكتور مجدى شاكر ‏من المعابد إلى الحقول، مرت القرون، وسقطت الممالك، واختفت التيجان، لكن الأفعى لم تعد فوق رأس الملك، بل اتخذت من الصحارى والجبال والحقول موطنًا لها، حيث وجدت بيئة توفر لها المأوى والغذاء. ‏‏يفسر خبير الزواحف، أحمد الدكروني، الأسباب وراء ظهور الأفعى بالقرب من السكان، موضحًا أن الكوبرا المصرية، وهي أكثر الأنواع السامة انتشارًا في دلتا مصر، تعيش بطبيعتها في الأراضي الزراعية المرتبطة بالترع والمصارف ونهر النيل، حيث تجد غذاءها من الضفادع والقوارض، خاصة في حقول الأرز. ويضيف الدكروني أن تراجع الجسور الطينية للترع والمصارف، إلى جانب التوسع في تبطين الترع، قلل من أماكن اختباء الأفاعي، ما دفعها بعضها للبحث عن أماكن بديلة توفر لها الرطوبة والغذاء. خبير الزواحف، أحمد الدكروني ‏‏صيف خرجت فيه الأفاعي إلى العلن ‏‏وفي صيف 2026، لم تكتف الأفاعي بالخروج من جحورها، بل خرجت أيضًا إلى منصات التواصل الاجتماعي لتخطف "التريند"، ففي 19 يونيو، توفيت "سهام البسيوني" إثر تعرضها للدغة ثعبان أثناء عملها في شتل الأرز. وفِي 29 يونيو استقبل مستشفى منيا القمح المركزي الطفل "عبدالرحمن إبراهيم عطية" (10 سنوات) مصابًا بلدغة ثعبان، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بإصابته. ولم تمضِ أيام، حتى توفيت الطفلة "ملك عصام" (11 عامًا) بعد تعرضها للدغة ثعبان أثناء مرافقتها لوالدها في ري الأرض بقرية كفر حسين الطوبجي. كما تمكنت قوات الحماية المدنية بمحافظة القاهرة من ضبط ثعبان عثر عليه داخل إحدى الشقق السكنية بمنطقة مصر القديمة. ‏‏كثرة الحالات المصابة بلدغات الأفاعي الحقيقة بعيدًا عن التريند ‏ هنا يتدخل خبير الزواحف، ويؤكد لـ "تليجراف مصر" أن ما يحدث في صيف 2026 لا يعني أن أعداد الأفاعي زادت بصورة غير مسبوقة. ويوضح أن ظهورها في هذا التوقيت يتكرر كل عام، لكن تسليط الضوء الإعلامي، إلى جانب وقوع حالتي وفاة أو ثلاث في منطقة واحدة، جعل الأمر يبدو وكأنه ظاهرة استثنائية. ويختم قائلاً: "مشهد الكوبرا المصرية كائن دفاعي لا هجومي، فهي تتجنب البشر بطبيعتها، وأن 90% من حالات اللدغ تحدث عندما يدوس شخص عليها دون أن يراها أو يحاول الإمساك بها أو محاصرتها، وليس لأنها تهاجم الإنسان عمدًا". لافتًا إلى أن موسم وضع البيض يدفع أنثى الكوبرا إلى زيادة نشاطها. موسم وضع البيض يدفع أنثى الكوبرا إلى زيادة نشاطها ‏‏ليست كلها قاتلة ‏‏ويكفي أن يسمع أحدهم كلمة "ثعبان" حتى يبدأ البحث عن عصا أو حجر، لكن الحقيقة أن ليس كل ما يزحف على الأرض يحمل السم، ولا كل الأفاعي تمثل خطرًا على الإنسان. فمصر تضم نحو 36 نوعًا من الأفاعي، لا يتجاوز السام منها 9 أنواع، بينما يؤدي الباقي دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن البيئي. ‏‏ورغم أن الأنواع السامة تمثل نسبة محدودة، فإن لدغاتها قد تكون قاتلة إذا لم تُعالج سريعًا، وتشير