ظل اسم الفنان اللبناني فضل شاكر حاضرا في الأذهان والمشهد الفني العربي، لكن هذه المرة ليس بسبب أغنية جديدة أو حفل جماهيري، وإنما بسبب واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في لبنان. فبعد اندلاع أحداث عبرا عام 2013، انخرط شاكر في دوامة من الملاحقات القضائية والأحكام الغيابية والاختفاء داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في مدينة صيدا، قبل أن يتخذ قرارا جريئا بإخبار السلطات عن نيته تسليم نفسه. وقد اعتبر هذا القرار بداية النهاية لملف كان هائلا ومدمرا في نفس الوقت.


شهدت القضية تطورات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، حيث خضع الفنان للتحقيق أمام المحكمة العسكرية، وتعرض لأزمة صحية داخل محبسه، مما دفع بالمحكمة إلى اتخاذ قرار بإخلاء سبيله مقابل كفالة مالية. وفي ذات الوقت، بدأت تظهر ملامح عودة فضل شاكر إلى الساحة الفنية، حيث انتهى من تسجيل عشرات الأغاني الجديدة، منتظرا إغلاق ملفه القضائي بشكل نهائي.


بدأت القصة مع اندلاع معركة عبرا في يونيو 2013 بين الجيش اللبناني ومسلحي الشيخ أحمد الأسير في منطقة عبرا بمدينة صيدا. وأسفرت المواجهات عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، مما دفع السلطات اللبنانية لاتهام فضل شاكر بالاشتراك في أعمال إرهابية وتقديمه للمحكمة. ومنذ ذلك الوقت، اختفى الفنان اللبناني عن الأنظار، لتبدأ رحلة غيابه التي استمرت لأكثر من 13 عاما داخل مخيم عين الحلوة.


خلال تلك الفترة، عاش شاكر حياة معزولة بعيدا عن الحياة العامة، بينما استمرت الملاحقات القضائية بحقه. وظهر الفنان في العديد من التسجيلات والمواقف السياسية التي أثارت الجدل، قبل أن تتحول الأزمة إلى مواجهة عسكرية كبرى. ورغم نفي فضل شاكر مرارا اشتراكه في قتل أي جندي أو تورطه المباشر في القتال، إلا أن السلطات اعتبرته متواطئا مع الجماعة المسلحة، ليصبح أولى المطلوبين للقضاء.


وفي منتصف عام 2025، بدأت تتردد أنباء عن نية فضل شاكر إنهاء سنوات الاختفاء وتسليم نفسه للسلطات. وبالفعل، في الرابع من أكتوبر من نفس العام، سلم نفسه إلى مخابرات الجيش اللبناني عند أحد الحواجز العسكرية بالقرب من مدينة صيدا، قادما من مخيم عين الحلوة. وجرى نقله إلى ثكنة محمد زغيب، تمهيدا لتقديمه أمام المحكمة العسكرية.


وكشفت وسائل إعلام لبنانية أن قراره جاء نتيجة تعرضه لتهديدات وضغوط من جماعات متشددة داخل المخيم، بالإضافة إلى رغبته في إنهاء هذا الملف الذي استمر لأكثر من عقد. كما أشارت المصادر القريبة منه إلى أنه رفض عروضا لمغادرة لبنان بطريقة غير شرعية، مؤكدا على براءته ورفضه أن يصبح مجرما في نظر القانون.


وخلال فترة احتجازه، تعرض فضل شاكر لأزمة صحية مفاجئة، استدعت نقله إلى المستشفى العسكري في لبنان. وأفادت المصادر بأن الفنان عانى من جلطات في القلب، مما اضطره للخضوع لعلاج مكثف في العناية المركزة. كما أن حالته الصحية كانت قد تدهورت منذ سنوات بسبب إصابته بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم وانسداد الشرايين.


وفي تطور كبير للقضية، وافقت المحكمة العسكرية اللبنانية على إخلاء سبيل فضل شاكر مقابل كفالة مالية كبيرة. كما وافق مفوض الحكومة لدى المحكمة على إخلاء سبيله في ثلاث قضايا، بينما لا يزال يدرس الاستئناف في ملف أحداث عبرا.


وبالتزامن مع هذا الانفراج القضائي، بدأت الاستعدادات لعودة فنية مرتقبة للفنان، حيث انتهى من تسجيل ما يقرب من 20 أغنية جديدة، ومن المقرر طرحها تباعا خلال المرحلة المقبلة. وتعد هذه العودة الفنية بمثابة رهان لفصل جديد في مسيرة شاكر، حيث يسعى لاستعادة مكانته بين كبار نجوم الغناء في الوطن العربي، خاصة أن جمهوره ظل وفيا له طوال سنوات الغياب.


وفي المقابل، لا يزال يترقب فضل شاكر صدور الأحكام النهائية في القضايا الأخرى المرتبطة باتهامات تتعلق بالتبييض والإرهاب والقتال ضد الجيش اللبناني. وتعد هذه القضايا حساسة للغاية، ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة حكما نهائيا فيها.


وكشفت وسائل إعلام لبنانية عن تفاصيل جديدة في هذه القضية، حيث يستعد فضل شاكر لإحياء أولى حفلاته الفنية بعد سنوات من الغياب، وذلك خلال شهر أغسطس المقبل في العاصمة السعودية الرياض. وقد تقدم الفنان بطلب للحصول على جواز سفر جديد كخطوة أولى لاستكمال إجراءات السفر إلى المملكة العربية السعودية لحفل إحيائه.


وها نحن نقف أمام فصل جديد في قصة فضل شاكر، حيث يمكن أن تبدأ صفحة جديدة في حياته، بعيدا عن الصراع القانوني، وعودة إلى الحياة الطبيعية. وبين معركة عبرا وسنوات الاختفاء داخل المخيم، وتسليم نفسه وإخلاء السبيل، هناك فرصة لإعادة كتابة تاريخه، ليس من داخل ساحات المحاكم، وإنما على المسرح الذي غاب عنه طويلا، منتظرا أن يحسم القضاء آخر فصول هذه القضية التي شغلت الرأي العام اللبناني والعربي.