لم يعد قراصنة الإنترنت بحاجة إلى بدء معاركهم الرقمية عبر اختراق الخوادم بشكل مباشر، بل باتوا يبدأون الآن بإغراء المستخدمين وفتح الأبواب أمامهم من خلال طرق أكثر إقناعاً وجاذبية، مثل الفيديوهات الترويجية أو أدوات الذكاء الاصطناعي المزيفة. لقد تغيرت قواعد اللعبة بشكل جذري، حيث لم يعد الهدف هو استهداف الأجهزة والبرمجيات المعقدة، بل أصبح الإنسان هو الهدف الرئيسي.

فكيف تحول شغف الناس بالذكاء الاصطناعي والمحتوى المجاني إلى بوابات خلفية للجرائم الإلكترونية؟ الإجابة تكمن في ما يعرف بـ "الهندسة الاجتماعية"، حيث يستغل المهاجمون فضول المستخدمين وثقتهم المفرطة ورغبتهم في الحصول على خدمات مجانية دون دفع أي مقابل. وتكمن خطورة هذا الأمر في أن هذه الهجمات تستهدف الحلقة الأضعف في المنظومة الرقمية، وهي الإنسان نفسه.

كما أصبح من الشائع رؤية منصات التواصل الاجتماعي، مثل "تيك توك" و"إنستغرام"، تنتشر فيها مقاطع مرئية جذابة تعد المستخدمين بالحصول على مزايا مدفوعة مجاناً، مثل اشتراكات "سبوتيفاي بريميوم" أو نسخاً احترافية من البرامج الشهيرة. لكن ما لا يدركه الكثيرون هو أن خلف هذه المقاطع الجذابة، تكمن برمجيات خبيثة مصممة لسرقة البيانات الحساسة المخزنة داخل المتصفحات، مثل كلمات المرور وبيانات البطاقات الائتمانية.

وتكمن الخطورة أيضاً في استغلال ثقة المستخدمين في شركات الذكاء الاصطناعي العالمية، حيث أصبح المخترقون يستخدمون أسماء رائدة وموثوقة مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"ديب سيك" كواجهات وهمية لحملات احتيالية. كما أنهم يبنون مواقع إلكترونية مزيفة ويرسلون رسائل بريد إلكتروني تحاكي الشركات الأصلية بدقة، ويقدمون أدوات ذكاء اصطناعي وهمية للتحميل، وكل ذلك بهدف دفع المستخدمين إلى إدخال بيانات حساسة أو تنزيل برامج غير رسمية تحتوي على برمجيات تجسس وسرقة معلومات متطورة.

ويرى اللواء أبو بكر عبد الكريم، مساعد أول وزير الداخلية المصري لقطاع الإعلام والعلاقات الأسبق، أن خطورة هذه الهجمات تكمن في أنها لا تحتاج إلى كسر جدران الحماية التقنية، بل تعتمد على سلسلة تفاعلية بسيطة تبدأ بإثارة الفضول وتنتهي بالسيطرة الكاملة على الحسابات. ويضيف عبد الكريم أن الوعي الرقمي الشخصي هو خط الدفاع الأول ضد هذه الهجمات، حيث يجب الالتزام بالقواعد الأمنية والابتعاد عن العروض المجانية المبالغ فيها وعدم الانصياع وراءها.

كما ينصح الخبير الأمني المصري بضرورة التحقق من الروابط وفحص عناوين المواقع الإلكترونية بعناية قبل تسجيل أي بيانات دخول، وتجنب التوجيهات العشوائية والامتناع عن تنفيذ الخطوات التقنية أو تنزيل الملفات بناءً على توصيات عشوائية. ويؤكد على أهمية تعزيز التحصين التقني وتفعيل ميزة المصادقة متعددة العوامل، واستخدام برامج مكافحة الفيروسات المحدثة بشكل دوري.