أثارت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، موجة من الجدل، حيث كشف عن سعي بلاده لتطوير قدرات عسكرية غير مسبوقة في الفضاء، بما يشمل "تشويش الأنظمة وتنفيذ هجوم حركي" من الفضاء إلى الأرض، مما يجعل إسرائيل أول دولة حول العالم قادرة على خوض حرب من الفضاء.

جاءت هذه التصريحات كإعلان عن توجه استراتيجي أكثر منه إعلانًا عن إنجاز تقني مكتمل، حيث أن تطوير القدرات القتالية الفضائية يتطلب استثمارات هائلة في الإطلاق والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الاتصالات الآمنة والتوجيه الدقيق.

ومن الناحية التقنية، فإن الحديث عن الهجوم من الفضاء لا يعني بالضرورة وجود أسلحة خيالية تدور في المدار وتطلق نيرانها على الأرض، ولكنه يشير إلى مجموعة واسعة من القدرات التي تبدأ بالتشويش الإلكتروني على شبكات الاتصالات والرادارات، وتمر بتعطيل الأقمار الصناعية المعادية، وقد تمتد مستقبلاً إلى وسائل هجومية تعتمد على الطاقة الحركية أو أنظمة فضائية متقدمة.

وعلى الرغم من عدم وجود معلومات معلنة تؤكد امتلاك أي دولة منظومة عملياتية تنفذ ضربات مباشرة من المدار إلى أهداف أرضية بشكل مستمر، إلا أن الأهم من ذلك أن الفضاء لم يعد مجرد ساحة للاستطلاع والاتصالات، بل أصبح طبقة أساسية في بنية الحروب الحديثة. حيث توفر الأقمار الصناعية الملاحة والإنذار المبكر والاتصالات العسكرية وتوجيه الذخائر الدقيقة. ومن يمتلك القدرة على التحكم في هذه البنية يمتلك أفضلية كبيرة حتى دون إطلاق سلاح واحد من الفضاء.

تعكس هذه التصريحات تحولًا في مفهوم الردع العسكري، حيث لم يعد التفوق يقاس بعدد الطائرات أو الدبابات أو الصواريخ فحسب، بل أصبح يقاس أيضًا بالقدرة على التحكم في البيانات وتعطيل أنظمة الخصم وإدارة المعركة عبر الفضاء والذكاء الاصطناعي. وهذا يشير إلى انتقال المنافسة العسكرية العالمية إلى مرحلة جديدة، حيث تصبح البنية التحتية للمعرفة والبرمجيات والشرائح الإلكترونية والخوارزميات والبنية الفضائية عناصر حاسمة في القوة العسكرية.

وفي سياق ذلك، أشار الدكتور محمد عسكر، استشاري نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي، إلى أن هذه التصريحات تكشف عن طموح إسرائيلي ليكون أول دولة إقليمية تطور قدرات هجومية فضائية. إلا أنه أكد أن القيمة الحقيقية لهذا الإعلان لا تكمن في ادعاء امتلاك سلاح جديد، بل تؤكد على أن سباق التسلح العالمي يدخل مرحلة جديدة، حيث يصبح الفضاء ساحة للتنافس على التفوق التكنولوجي.

ومن ناحيته، اعتبر هاني الجمل، نائب مدير مركز تفكير للدراسات والشؤون السياسية، أن إسرائيل في وضع مأزوم بسبب عدم نجاحها في إسقاط النظام الإيراني، لذلك تقفز إلى الأمام من أجل حفظ ماء الوجه للانتخابات القادمة. وعلى الرغم من ذلك، فإن لديها القدرة على تطوير قدرات فضائية هجومية محدودة أكثر من كونها قادرة على قيادة حرب كاملة بالمعنى الذي تمتلكه القوى الكبرى.

وأضاف الجمل أن إسرائيل كانت تستند في مسارها نحو القدرات الفضائية إلى قاعدة تكنولوجية وعسكرية في تشغيل الأقمار العسكرية من عائلة أوفيك، كما عززت استقلاليتها التشغيلية بإطلاق قمر الاتصالات "درور 1" الذي يُعد أول قمر من نوعه يُصمم ويُصنع بالكامل داخل إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، عززت إسرائيل قدراتها في مجال الاعتراض بعيدة المدى بمنظومات "آرو-3".

ووفقًا للجمل، فإن امتلاك إسرائيل لقدرات هجومية فضائية مستدامة يتطلب أعدادًا كبيرة من الأقمار وسلاسل التصنيع والاختبار وحماية ضد التعطيل والهجمات السيبرانية. وعلى الرغم من التعاون المحتمل مع شركة "سبيس إكس" كشريك إجرائي مهم في عمليات الإطلاق، فإن شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية هي الشريك المحلي الأساسي في التصنيع.

وفي سياق ذلك، رأى الجمل أن إسرائيل تتحرك ضمن شبكة دعم أمريكية-إسرائيلية أكثر من كونها تبني قدرة فضائية مستقلة بالكامل. وبالتالي، فإن تصريحات كاتس تكشف نية واضحة لإسرائيل لأن تكون رائدة عالميًا في مجال القدرات الفضائية.

ومع ذلك، أكد الجمل على أن تحقيق الريادة العالمية لا يزال مشروعًا بعيد الأمد ومكلفًا ومعقدًا. فالحديث عن التفوق العسكري عبر الفضاء يعكس طموحات استراتيجية أكثر منه واقعًا عملياتيًا مكتملًا. إسرائيل تحاول نقل الصراع مع خصومها من مستوى التفوق الجوي والصاروخي إلى مستوى احتكار المعلومة، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير طبيعة الصراعات الدولية في المستقبل.