في الوقت الذي تُركز فيه الأنظار عادةً على المعالم الأثرية والتاريخية مثل القصور والمعابد والمباني القديمة، هناك جانب آخر من التراث المصري يقلق المحافظين عليه، ألا وهو الأشجار المعمرة والنادرة المنتشرة في الحدائق العامة والميادين بمختلف أنحاء البلاد. هذه الأشجار ليست مجرد عناصر طبيعية أو غطاء أخضر، ولكنها تحمل قيمة تاريخية وثقافية فريدة؛ فهي شواهد حية على عقود من الزمن، وأحياناً قرون، وتُعد جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية لمصر.


وقد أدرك الجهاز القومي للتنسيق الحضاري أهمية هذه الأشجار النادرة، فأطلق مشروعاً متكاملاً يهدف إلى حصرها وتوثيقها، ليس فقط كأشجار، ولكن كمعالم تاريخية وقانونية يجب حمايتها للأجيال القادمة. ويتمثل المشروع في إنشاء قاعدة بيانات وخريطة تفاعلية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية، حيث يتم تسجيل مواقع الأشجار وحالتها الصحية وتاريخها، مما يخلق نوعاً من التوثيق الرقمي لهذه الكنوز الخضراء.


ولا يتوقف الأمر عند مجرد حصر وتوثيق هذه الأشجار، ولكن المشروع يطمح إلى تحويلها إلى ما يشبه المتاحف المفتوحة في الهواء الطلق. فستكون مزودة بلوحات تعريفية تحمل رمز الاستجابة السريعة (QR Code)، مما يتيح للزوار التعرف على قصة كل شجرة وعمرها ونوعها وقيمتها التاريخية والتراثية بسهولة. إنها خطوة ذكية لربط التكنولوجيا بالحفاظ على التراث الأخضر المصري، حيث يمكن لأي شخص مسح رمز الاستجابة السريعة والوصول إلى كم هائل من المعلومات حول الشجرة التي يتفقد لها.


وبحسب البيانات الصادرة عن الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، فقد تم بالفعل تسجيل ما يقرب من 1300 شجرة نادرة وتاريخية حتى الآن، ولا يزال العمل مستمراً في حصر وتوثيق هذه الأشجار القيمة في مختلف أنحاء البلاد. ويُعد هذا المشروع خطوة مهمة للحفاظ على جانب أصيل من التراث المصري، حيث تمتلك مصر ثروة كبيرة من الأشجار النادرة التي تعود جذورها إلى عصور تاريخية مختلفة.


فبعض أنواع الأشجار، مثل الأشجار البنغالية، تم زراعتها في عهد محمد علي باشا بالتزامن مع إنشاء قصر شبرا، بينما شهد عصر الخديوي إسماعيل توسعاً كبيراً في زراعة الأشجار والحدائق، مما أدى إلى وجود العديد من الأشجار المعمرة حتى يومنا هذا. وتُعتبر هذه الأشجار كائنات حية قادرة على التكاثر والاستمرار إذا تم رعايتها وحمايتها بشكل صحيح، وتوجد نماذج عديدة لها في مناطق مختلفة من الجمهورية، مثل أشجار تاريخية في الزمالك وأخرى في شبين الكوم ومحافظات أخرى. كما تنتشر هذه الأشجار أيضاً على كورنيش النيل وداخل الحدائق العامة والتاريخية، ومنها حديقة الحيوان.


إن توثيق هذه الأشجار ورصد مواقعها وأعمارها وحالتها الصحية يضمن الحفاظ عليها من الإزالة أو التدهور، ويعزز الوعي بقيمتها التاريخية والبيئية. فهي تمثل جزءاً من الذاكرة العمرانية والتراثية للمدن المصرية، وتروي قصصاً مهمة عن تاريخ التخطيط العمراني والحدائق في البلاد عبر العصور.


وعلى سبيل المثال، فإن شجرة الزمالك النادرة هي إحدى هذه الوثائق التاريخية الحية؛ فهي موجودة منذ مئات السنين وشهدت العديد من الأحداث التاريخية المهمة، وظلت شامخة في موقعها على الرغم من مرور الوقت. وبالمثل، هناك أشجار أخرى في مناطق مختلفة من مصر ارتبطت بإنشاء القصور الملكية والحدائق التاريخية ومشروعات التجميل والتخطيط العمراني في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.


ويؤكد المتخصصون في التاريخ أن هذه الأشجار النادرة والمعمرة تحمل قيمة تاريخية استثنائية تتجاوز قيمتها النباتية؛ فهي تشهد على تاريخ المدن وتطورها، وتعكس ذاكرة المكان وتراثه الثقافي. ومن هنا، فإن الحفاظ عليها لا يقل أهمية عن الحفاظ على أي جانب آخر من التراث المصري، خاصة أن بعض هذه الأشجار شهدت أحداثاً تاريخية مهمة وظلت قائمة شامخة لعدة قرون.


وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور سامح الزهار، المتخصص في التاريخ، على أهمية مشروع حصر وتوثيق الأشجار النادرة والمعمرة، قائلاً إن تسجيل تاريخ كل شجرة وموقعها وعمرها يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذه الكنوز الخضراء. ويضيف الزهار أن الحفاظ على هذه الأشجار لا يتعلق فقط بحماية البيئة، ولكن أيضاً بحماية ذاكرة المكان وتراثه الثقافي.


إن مشروع حصر وتوثيق الأشجار النادرة والمعمرة في مصر يمثل خطوة مهمة نحو الحفاظ على جانب أصيل من التراث الوطني، حيث تُعد هذه الأشجار شواهد حية على تاريخ البلاد وتطورها. ومن خلال هذا المشروع، يتم إنشاء قاعدة بيانات وخريطة تفاعلية شاملة، مما يضمن بقاء هذه الكنوز الخضراء للأجيال القادمة ويسمح لها بأن تكون جزءاً لا يتجزأ من الهوية المصرية.