لم يعد المجرم الإلكتروني بحاجة إلى اختراق هاتفك أو التلاعب بكلمات المرور المعقدة، بل أصبح بإمكانه استغلال ثقتك وتلاعبًا بصوت يسمع أو رسالة تبدو طبيعية. لقد أصبحت "الثقة" الهدف الأخطر للهجمات السيبرانية الحديثة، حيث يمكن للمهاجمين استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والهندسة الاجتماعية المتقدمة لاستهداف العنصر الأضعف، وهو العقل البشري.

يؤكد الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، على هذا الخطر قائلًا: "في عالم تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم تعد التهديدات السيبرانية تعتمد فقط على البرمجيات الخبيثة أو الثغرات التقنية. لقد انتقلوا إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا، حيث يستهدفون الثقة البشرية". ويشير إلى أن الهجمات الحديثة تعتمد على تقنية "استنساخ الأصوات بالذكاء الاصطناعي"، والتي يمكنها تقليد صوت أي شخص بدرجة مذهلة من الواقعية، مما يجعل من السهل على المهاجمين خداع الضحايا.

ويحذر الدكتور محسن من أن هذه التقنية الخطيرة لا تحتاج إلا لبضع ثوانٍ فقط من الصوت لتكوين عينة صوتية مزيفة، والتي يمكن استخدامها في مكالمة احتيالية طارئة أو رسالة تبدو رسمية. ويؤكد أن هذه الهجمات يمكن أن تكون مميتة، حيث يمكن للمهاجمين ابتزاز الضحايا أو خداعهم لتحويل الأموال أو مشاركة البيانات الحساسة أو حتى رموز التحقق الأمني.

ويشير إلى أن الطريقة التي يتعامل بها الدماغ البشري مع الصوت هي ما يستغله المهاجمون، حيث تميل العقول إلى منح الصوت المألوف درجة عالية من المصداقية. ولمواجهة ذلك، يقترح إنشاء "كلمة سر عائلية" أو "كود تحقق داخلي" يتم الاتفاق عليه مسبقًا، بحيث يتم التعامل مع أي مكالمة أو رسالة غير متوقعة لا تحتوي على كلمة التحقق على أنها مشبوهة.

كما يحذر مساعد أول وزير الداخلية المصري السابق، اللواء أبو بكر عبدالكريم، من تصاعد ما يسمى بعمليات "Hack-for-Hire"، وهي خدمات احترافية تنفذ هجمات اختراق مدفوعة تستهدف الأفراد والشركات. ويشير إلى أن هذه المجموعات تستخدم مزيجًا من أساليب التصيد الاحتيالي والتطبيقات الوهمية لاختراق أجهزة Android وحسابات iCloud، مما يهدد بتعريض الصور والرسائل والملفات للخطر.

ويؤكد اللواء عبدالكريم على أهمية تفعيل ميزات الحماية المتقدمة على الأجهزة، قائلاً إن التشفير القوي أصبح ضرورة وليس مجرد رفاهية. وعلى أجهزة Apple، توفر ميزة Advanced Data Protection طبقة تشفير متقدمة، بينما توفر بيئة Google خيارات للنسخ الاحتياطي المشفر وربط التشفير برمز الجهاز.

ويشير اللواء عبدالكريم أيضًا إلى أن المستخدمين الأكثر عرضة لهذه التهديدات هم أولئك الذين يتفاعلون مع الرسائل الصوتية اليومية، والعاملون داخل المؤسسات، وأصحاب الحسابات المرتبطة بخدمات Microsoft وGoogle، بالإضافة إلى كبار السن الذين قد لا يمتلكون الوعي الكافي بأساليب الخداع السيبراني الحديثة.

وفي النهاية، يحذر اللواء عبدالكريم من أن المهاجمين لم يعودوا يستهدفون فقط اختراق الأجهزة أو التلاعب بأنظمة الأمان، بل أصبحوا يستهدفون بشكل مباشر الثقة البشرية. ويشير إلى أن التعامل مع أي مكالمة أو رسالة غير متوقعة لا تحتوي على التحقق المناسب قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. ولهذا، فإن قواعد الأمان الأساسية، مثل التحقق الداخلي والتشفير القوي، أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى.