تضع الحرب الدائرة في إيران الاقتصاد المصري أمام أكبر اختبار لصلابته منذ توقيع حزمة الإنقاذ الدولية بقيادة الإمارات وصندوق النقد الدولي، في وقت تعرضت فيه الأصول المصرية لأكبر موجات البيع في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة.

على الرغم من بعد القاهرة جغرافياً عن ميدان الحرب، شهد السوق المصري خروج مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين، وهبوطاً في السندات، وتراجعاً للجنيه إلى مستوى قياسي جديد. وزادت أسعار الطاقة المتصاعدة من الضغوط على الموازنة، مما يهدد بفاتورة أعلى للمواطنين الذين أرهقتهم سنوات من التضخم المرتفع.

مرت مصر بمخاطر مشابهة خلال الأعوام الأخيرة. فمع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، انكشفت هشاشة اعتماد القاهرة على الأموال الساخنة، لتبدأ أزمة عملة تفاقمت لاحقاً مع حرب غزة في 2023 التي وجهت ضربة موجعة لإيرادات قناة السويس، وما تزال آثارها ممتدة حتى الآن.

يقول هاني توفيق، الخبير الاقتصادي: "مصر تواجه زلزالاً اقتصادياً"، معلناً عن وجود فرصة ذهبية بسبب حرب إيران.

لكن صفقة الإنقاذ التي تجاوزت 57 مليار دولار، والتي شاركت فيها الإمارات وصندوق النقد الدولي ومؤسسات أخرى، منحت الاقتصاد المصري فرصة إعادة التموضع. واليوم، وبرصيد قياسي من الاحتياطيات الأجنبية وإصرار معلن على تبني إصلاحات صعبة، يطرح السؤال نفسه: هل كانت هذه الاستعدادات كافية؟

قال فاروق سوسة، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى "غولدمان ساكس": "إن الحرب تختبر التزام مصر بالسياسات الاقتصادية التقليدية"، مشيراً إلى أن الاقتصاد أصبح أكثر مرونة رغم تعرضه للمخاطر.

مرونة أكبر.. وصدمات جديدة

تعتمد مصر على واردات الغذاء والطاقة، وتمتلك شبكة دعم اجتماعي واسعة، مما يجعلها عرضة للتقلبات الخارجية. غير أن ثقلها الإقليمي السياسي والاقتصادي كان أحد الأسباب الرئيسية خلف الدعم المالي غير المسبوق الذي حصلت عليه قبل عامين.

وفي الأيام الماضية، سارعت الحكومة إلى طمأنة الأسواق، مؤكدة توافر السلع الأساسية، ومعلنة زيادات جديدة في الأجور. كما بدأت تنفيذ إجراءات استثنائية شملت خفض الإنفاق غير الضروري ورفع أسعار الوقود للمرة الأولى منذ شهور.

وقد جعل صندوق النقد الدولي - الذي رفع قيمة برنامجه إلى 8 مليارات دولار مطلع 2024 - من مرونة سعر الصرف وخفض الدعم شروطاً أساسية لحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية.

وبالفعل، سجل الجنيه تراجعاً بنحو 8% منذ بدء الحرب، ليصبح الأسوأ أداءً عالمياً خلال الفترة الأخيرة، لكنه في الوقت ذاته يعكس لأول مرة منذ سنوات تفاعلاً حقيقياً بين العرض والطلب، بدلاً من تدخلات مكلفة من البنك المركزي.

وصف رئيس التحليل الكلي لدى "إي إف جي هيرميس"، محمد أبو باشا، مرونة سعر الصرف بأنها أداة "امتصاص للصدمات"، موضحاً أنها تحمي الاحتياطيات الأجنبية، وتضمن توافر السيولة الدولارية، وتفتح نقاط دخول جديدة للمستثمرين.

ماذا حدث في سوق الدين؟

قبل الأزمة، كانت الديون المحلية المصرية من بين المفضلة لدى المستثمرين الدوليين بسبب العائدات الحقيقية المرتفعة. وتشير تقديرات "سيتي بنك" إلى أن الأجانب كانوا يحتفظون بنحو 32 مليار دولار من أذون وسندات الخزانة.

تقدر "هيرميس" حجم التخارجات حتى الآن بنحو 7 مليارات دولار منذ منتصف فبراير، وهي أقل بكثير من موجة خروج ال20 مليار دولار التي سببتها حرب أوكرانيا. كما عاد نحو 1.5 مليار دولار سريعاً بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن احتمال انتهاء الصراع قريباً يوم الثلاثاء.

ورغم ذلك، تراجعت السندات الدولارية المصرية بنحو 2% منذ بدء الحرب، بينما فقد مؤشر EGX30 حوالي 4.1% من قيمته منذ بداية الشهر.

النفط فوق 100 دولار.. ومصر تنقل التكلفة للمستهلك

مع تجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل، رفعت الحكومة أسعار الوقود حتى 17%، أكبر زيادة منذ سنوات، في خطوة وصفها محللو "غولدمان ساكس" بأنها إشارة واضحة على الالتزام بسياسات اقتصادية منضبطة.

في المقابل، ارتفع رصيد الاحتياطي الأجنبي ليصل إلى 52.7 مليار دولار، وهو أعلى بنحو 30% مقارنة بفترة ما قبل حرب أوكرانيا، كما سجلت صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك أفضل مستوياتها منذ 2012.

لكن الضغوط على الموازنة لا تزال حاضرة. فارتفاع أسعار الطاقة العالمية سيؤثر على فاتورة الاستيراد، ومسار التضخم، والحساب الجاري. وقال أبو باشا إن حجم التأثير سيعتمد على تقلبات السوق ومدة الصراع، وهو ما يجعل تقدير الخسائر أمراً صعباً.

الغاز أقل.. وفاتورة أعلى

القرار الإسرائيلي بخفض صادرات الغاز إلى مصر عقب ضربات 28 فبراير على إيران أدى إلى زيادة فاتورة الاستيراد، واضطرت القاهرة لشراء شحنتين من الغاز المسال هذا الأسبوع.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات على تراجع تحويلات المصريين في الخارج، التي بلغت 41.5 مليار دولار في 2024، معظمها من دول الخليج. كما لم يسجل أي اتجاه لعودة جماعية للعمالة المصرية هناك.

أما السياحة التي استقبلت 19 مليون زائر في 2024 فتستعد لاحتمال حدوث إلغاءات محدودة "ومتوقعة في مثل هذه الظروف"، وفق غرفة السياحة، لكنها لم تتأثر كثيراً خلال حرب غزة، خاصة مع افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر الماضي. كما لم تحدث الدول الغربية أي تغييرات على إرشادات السفر إلى مصر حتى الآن.

وقالت رزان ناصر، محللة الشؤون السيادية في شركة "تي رو برايس"، التي تدير أصولاً عالمية بقيمة 1.8 تريليون دولار: "بالنظر إلى حجم الاستثمارات الكبيرة، ف