أصبح امتلاك المسكن في مصر، ذلك الحلم الذي طال انتظاره، يبدو اليوم بعيد المنال لكثير من المواطنين. فقد وصلت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت تشكل سراباً للباحثين عنها. ورغم استقرار سعر صرف الدولار رسمياً، إلا أن هذا الاستقرار لم ينعكس على أسعار العقارات التي واصلت صعودها الحاد.


ففي بعض المشروعات الجديدة، تتجاوز تكلفة الغرفة الواحدة تسعة ملايين جنيه، بينما يتراوح سعر الشقة ذات ثلاث غرف في مناطق مثل السادس من أكتوبر والشيخ زايد والقاهرة الجديدة والشروق بين عشرة وعشرين مليون جنيه. وقد وصلت أسعار وحدات "ستوديو" في بعض المشروعات إلى ثلاثة أو خمسة ملايين جنيه.


هذا الارتفاع الصادم في الأسعار يعكس تحولاً هيكلياً في سوق العقارات، حيث لم يعد الأمر مجرد موجة ارتفاع عابرة، بل أصبح الواقع المرير الذي يواجهه الباحثون عن سكن.


ويرجع جزء كبير من هذه الأسعار إلى فترة عدم الاستقرار الحاد في سعر الصرف، عندما تجاوز الدولار 65 جنيهاً في السوق الموازية. فاندفعت شركات التطوير العقاري آنذاك لإطلاق مشروعات ضخمة بأسعار تحوطية مرتفعة، لم تكن موجهة للمواطن العادي بل لشريحة محدودة من الأثرياء وحائزي الدولار والقادرين على الدفع بأي ثمن.


ومع استقرار الدولار واختفاء السوق الموازية، لم تتراجع الأسعار، بل تحولت المستويات المرتفعة إلى أمر واقع. فالحل الذي لجأت إليه الشركات لتمويل مشاريعها هو فترات السداد الطويلة التي وصلت في بعض الأحيان إلى اثني عشر عاماً.


لكن هل هذا الحل فعلاً حلاً أم أصبح فخاً يُحكم حوله على المشتري؟ الخبير الاقتصادي هاني جنينة يحذر من أن فترات السداد الطويلة وبفوائد تصل إلى 25% تجعل نسبة كبيرة من سعر الوحدة أقساطاً وفوائد فقط، مما يجعل القيمة العقارية الحقيقية غير مجدية.


واقع مرير يتعرض له السوق المصري، حيث تباطأت المبيعات بشكل ملحوظ، لكن الشركات ما زالت تلجأ إلى طرق التسويق العدوانية، مما يزيد من غضب المواطنين الذين يعانون بالفعل من ارتفاع الأسعار. فقد أكد الخبير هاني جنينة أن أسعار العقارات أصبحت غير منطقية، حيث تمثل تكلفة الأرض وحدها نسبة كبيرة من إجمالي التكلفة، بينما كانت هذه النسبة في الماضي لا تتجاوز الثلث.


ورغم هذا الواقع المرير، ما زال ملايين المصريين يتلقون يومياً المكالمات التسويقية التي تعرض عليهم وحدات بأسعار خيالية.