في تحول مثير، أثارت الجدالات حول تسعير العقارات في مصر وتأثيرها على الطلب خلال الأشهر القليلة الماضية جملة من التساؤلات حول نسب الزيادات القادمة، في ظل الغموض المتزايد بشأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. وقد ألقى هذا الوضع بظلاله على سوق شهدت تباطؤاً ملحوظاً في المبيعات، مما حدا بالعديد من المطورين العقاريين إلى الكشف عن رؤى حول التوقعات المستقبلية .

ووفقاً لعدد من المطورين العقاريين الذين استطلعنا آراءهم، فإن الزيادات المرتقبة في أسعار العقارات تأتي نتيجة لتراجع دعم إمدادات الغاز وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه، بالإضافة إلى الضغوط المتزايدة على تكاليف الإنتاج. وقد حذر هؤلاء المطورون من أن استمرار الحرب في المنطقة لفترة أطول قد يؤدي إلى زيادة حدة هذه الضغوط، مما قد يرفع أسعار العقارات بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة.

وقد ألقى هذا الوضع بظلاله على السوق، حيث يعاني بعض العملاء من تأخر في التسليمات من جانب الشركات، بينما يعيد آخرون تقييم استثماراتهم العقارية برمتها داخل السوق المصرية، خاصة مع تراجع العائد الكلي إلى القيمة الاستثمارية. وفي بعض الحالات، بات يُنظر إلى العقار كمخطط "بونزي"، حيث لا تكون القيمة في قيمة العقار نفسه، ولكن في المزايدات السعرية المتتالية عليه من لحظة الفكرة مروراً بالبناء وحتى دخوله السوق كمكان قابل للسكن.

وفي سياق متصل، توقع المطورون أن يستمر التوترات الجيوسياسية في المنطقة في تحفيز تدفقات استثمارية خليجية نحو السوق العقارية المصرية، والتي تعتبر حالياً ملاذاً آمناً لرؤوس الأموال. ومع التركيز على القطاع السكني، يتوقع أن يستهدف الاستثمار الخليجي وحدات سكنية جاهزة للتسليم أو وحدات ذات طابع فندقي، نظراً لتمتعها بمعدلات سيولة أعلى وعوائد استثمارية مستقرة.

وفي جوهر هذه التوقعات، تكمن مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي لها شواهد تاريخية من التداعيات التي تلت الحرب الروسية-الأوكرانية وتوقف سلاسل الإمداد، بالإضافة إلى التحركات الحالية في سعر الدولار الذي ارتفع من 47.20 إلى 50.20 جنيهاً مصرياً، مما ينعكس بشكل مباشر على تكلفة مدخلات الإنتاج مثل البليت.

وقد أكد أحمد أمين مسعود، رئيس مجلس إدارة شركة منصات للتطوير العقاري والرئيس التنفيذي لشركة معمار الأشراف، أن الزيادات المتوقعة في أسعار العقارات ليست مجرد "تقديرات من المطورين"، ولكنها ناتجة عن مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي لها شواهد تاريخية. كما أشار إلى أن ارتفاع أسعار المعادن والطاقة والغاز يزيد الضغط على المصانع، مما يرفع أسعار الحديد والأسمنت ويؤثر على تكاليف البناء، معللاً ذلك بتوقف تصدير الغاز من إسرائيل إلى مصر، مما سيؤدي إلى نقص في إمداد الطاقة للمصانع.

وفي سياق متصل، أشار محمد خطاب، الرئيس التنفيذي لشركة بن باز للتطوير العقاري، إلى أن الأحداث الحالية تمثل مجرد "مناوشات" وليست حرباً شاملة، ومن الممكن أن تنتهي سريعاً كما حدث في مناسبات سابقة. وعلى الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً لوضع توقعات نهائية لتأثير هذه الأحداث على القطاع العقاري، إلا إذا استمرت لفترة أطول تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، إلا أن خطاب توقع زيادة الطلب على الوحدات السكنية من مواطني دول الخليج، خاصة الكويت وقطر والبحرين والإمارات الذين يميلون للشراء خارج بلدانهم عند شعورهم بعدم الاستقرار.

وحول توقعات الأسعار في ظل التوترات الحالية، أوضح خطاب أن الزيادات ستكون طبيعية وتتراوح بين 10% و20% نتيجة تسارع الطلب. وأضاف أن ارتفاع أسعار مواد البناء، سواء بسبب نقص الطاقة أو عقود التصدير لمواد البناء لإعادة إعمار ليبيا، سيؤثر مباشرة على أسعار الوحدات بغض النظر عن حجم الطلب.

وفيما يتعلق بالتداعيات المحتملة على السوق، نفى خطاب حدوث "مضاربات خرافية" كالتي شهدتها السوق في عامي 2022 و2023، مشيراً إلى أن المطورين أصبح لديهم الآن وعي أكبر بالحفاظ على حركة بيع هادئة، كما توقع عدم حدوث طفرة في سوق إعادة البيع (الريسيل) بسبب عدم توفر الكثير من الوحدات الجاهزة للتسليم لدى المطورين.

وفي سياق متصل، أشار كريم مأمون، الرئيس التنفيذي لشركة "ميركون للتطوير العقاري"، إلى أن استمرار ارتفاع سعر الدولار سيؤدي بالضرورة إلى زيادة تكلفة التنفيذ، مما سينعكس على أسعار العقارات، التي يتوقع أن ترتفع بنسبة تتراوح بين 15% و20%. كما أكد مأمون أن الشركات قد تتجه إلى تقليل سنوات التقسيط، من 14 سنة إلى 10 أو 8 سنوات، لمواجهة ارتفاع التكاليف بدلاً من رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه. كما توقع حدوث عمليات شراء تحوطي (Panic Purchase) لحماية الأموال من التضخم عبر الاستثمار في العقار كوعاء ادخاري آمن.

ومن جانبه، أوضح محمد البستاني، رئيس جمعية المطورين العقاريين والرئيس التنفيذي لشركة "منصات العقارية"، أن الارتفاعات الطفيفة في سعر الدولار، مثل جنيه أو جنيه ونصف، لا تؤثر بشكل كبير على السوق العقارية، موضحاً أن التأثير الحقيقي يظهر عندما يرتفع سعر الدولار بنسب تتراوح بين 10% و20%.

وأشار البستاني إلى أن السوق كانت تنتظر نشاطاً كبيراً في النصف الثاني من العام، لكن المعطيات الحالية قد تجعل هذا الرواج يحدث في وقت أبكر مدفوعاً بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. وفيما يتعلق بالطلب على الوحدات الجاهزة، توقع البستاني زيادة تتراوح بين 15% و20%، واصفاً هذه الزيادة بأنها طبيعية في ظل الظروف الراهنة، معللاً ذلك بأن المطورين يقدمون حالياً تسهيلات كبيرة لزيادة المبيعات، وأنه في حال إلغاء هذه التسهيلات، سترتفع الأسعار تلقائياً.

ومن جهته، أشار كريم زين، الرئيس التنفيذي لشركة "كولدويل بانكر – مصر"، إلى تحول نوعي في تفضيلات العملاء، حيث تصاعد الطلب على الوحدات الجاهزة للتسليم أو تلك المخطط تسليمها خلال عام، لا سيما من قبل المغتربين المصريين والمستثمرين الخليجيين. ويأتي هذا التوجه نتيجة طبيعية لحالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، وهو ما رصدته الشركة بوضوح خلال مشاركتها في المعارض العقارية الأخيرة في المملكة العربية السعودية.

كما ستشهد السوق العقارية الفندقية انتعاشاً متوقعاً مع زيادة الطلب على الوحدات الفندقية (Hospitality Properties) تزامناً مع انتعاش السياحة في مصر، وفقاً لزين.

وفي هذا السياق، أوضح زين أن الظروف الحالية أدت إلى طفرة في الطلب على الوحدات الجاهزة للاستلام والوحدات الفندقية، حيث يسعى العملاء لتأمين أصول ملموسة وتجنب مخاطر التقلبات السعرية. وتوقع أن تدفع هذه الضغوط السوقية الأسعار للارتفاع بنسبة تتراوح