أُقيمت أكبر مائدة إفطار جماعي في القاهرة الكبرى، وذلك في منطقة المطرية، حيث اجتمع الآلاف من الصائمين في أجواء رمضانية روحانية، تعكس التكافل والتعاون بين أهالي المنطقة، للعام الثاني عشر على التوالي. تعد هذه المبادرة من أبرز الفعاليات المجتمعية التي يترقبها المواطنون كل عام خلال شهر رمضان المبارك.

هذا، وتُعد مائدة الإفطار هذه من بين أكبر المآدي في مصر، إن لم تكن الأضخم على الإطلاق، حيث يُجتمع فيها آلاف الصائمين الذين يتناولون طعام الإفطار معًا في أجواء تراحمية وموحدة.

ولكن، ما هي موائد الرحمن؟ وما تاريخها؟

تُعرف مائدة الرحمن بأنها مائدة إفطار تقام في أيام الصيام لإطعام المسلمين، حيث يتبرع البعض للإنفاق عليها، وتهدف بشكل أساسي إلى إطعام الفقراء والمساكين، ولكنها تُستخدم أيضًا لمن لا يجد طريقه إلى منزله في الوقت المحدد لتناول الإفطار. تزين موائد الرحمن شوارع مصر وحدائقها، وتضفي على الأجواء روحًا إيجابية ومشاعر الأخوة والتراحم بين المواطنين.

والجدير بالذكر أن هذه المبادرة بدأت منذ أكثر من قرن من الزمان، ولكنها لم تكتسب شهرتها وانتشارها الواسع إلا في العقود القليلة الماضية.

فكيف بدأت هذه المبادرة ومن أين أتت الفكرة؟

يعتقد الكثيرون أن أول من أقام مائدة رحمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أقام مائدة لإنفاقها على الوفد الذي جاء إليه من الطائف أثناء وجوده في المدينة. ولكن في الحقيقة، بدأت مبادرة مائدة الرحمن في مصر بشكلها المعروف حاليًا بعد مرور وقت طويل على زمن الرسول الكريم، وقد بدأت هذه المبادرة في العصر الفاطمي بمصر.

وبحسب كتاب "دليل الأوائل" للدكتور إبراهيم مرزوق، فإن أول مبادرة لمائدة جماعية في شهر رمضان كانت في عهد الخليفة العزيز بالله الفاطمي، حيث أقام مائدة إفطار ليفطر عليها أهل جامع عمرو بن العاص.

وفي زمن الخليفة العزيز بالله، كان يُخرج من مطبخ القصر 1100 قدر يوميًا خلال شهر رمضان، تحتوي على أنواع مختلفة من الطعام لتوزيعها على الفقراء والمحتاجين عند الإفطار. وبعد ذلك، كان الخليفة يجلس في شرفة كبيرة في قصره خلال وقت الإفطار، يستمع إلى تلاوة القرآن الكريم ويستمتع بحلقات الذكر، ويستمر هذا الطقس حتى منتصف الليل، ثم ينتقل الخليفة إلى توزيع الهدايا على الفقراء حتى يحين موعد السحور، وعندها تقام مائدة عامرة في نفس المكان الذي كانت فيه مائدة الإفطار.

دار الفطرة

ومن الجدير بالذكر أن مائدة الرحمن في بداياتها كانت تُعرف باسم "دار الفطرة"، وكانت تقع خارج القصر الفاطمي.

وفي حديث سابق، أكد خبير الآثار المصري الدكتور عبدالرحيم ريحان أن فكرة موائد الرحمن ترجع إلى الولائم التي كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان في العهد الفاطمي، والتي كان يُطلق عليها "سماط الخليفة". وكان القائمون على قصر الخليفة الفاطمي يوفرون كميات كبيرة من السكر والدقيق لإعداد حلوى رمضان مثل الكنافة والقطايف.

وأشار الدكتور ريحان إلى أن دار الفطرة كانت بمثابة المستودع الذي كان يُستخدم لإعداد الكعك وغيرها من المأكولات لتوزيعها على جموع المصريين في القاهرة. كما كان الخليفة يحرص على إقامة مائدة إفطار رمضان خاصة تُعرف باسم "سماط"، بحضور رؤساء الدواوين والحاكم والوزراء. وكانت القاهرة في ذلك الوقت مدينة خاصة للخليفة وخاصته وقوات الجيش المختلفة.

وبحسب الدراسة الأثرية للعالم الآثار الإسلامية الدكتور علي أحمد الطايش، أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، فإن قصر الخليفة الفاطمي كان كبيرًا ويضم العديد من القاعات والممرات.

مائدة إفطار المطرية - الأكبر في مصر

ومن الجدير بالذكر أن مائدة الرحمن في القاهرة لم تكن المبادرة الوحيدة من نوعها في مصر خلال شهر رمضان، فقد كانت هناك مآدي إفطار أخرى تقام في العديد من المدن والمحافظات المصرية، وإن كانت أقل شهرة من مائدة القاهرة.

وفي العصر المملوكي، اشتهر الحكام بالإنهار على الفقراء والمحتاجين في شهر رمضان، حيث كان يُخصص رواتب إضافية لأرباب الوظائف ولحملة العلم والأيتام، ولا سيما من السكر الذي كان يستهلك منه كميات كبيرة خلال هذا الشهر المبارك بسبب الإكثار من إعداد الحلوى.

ولم تقتصر هذه الأوقاف الخيرية على موائد الرحمن فحسب، بل امتدت رسالتها إلى توفير الطعام للفقراء والمساكين في يوم عيد الفطر، حيث كان يُخصص مبالغ مالية كبيرة لشراء الكعك والتمر والبندق لتوزيعها على المستحقين.

العصر الفاطمي

ومن جهته، أكد الدكتور مجدي شاكر، كبير الآثريين بوزارة السياحة والآثار، في تصريحات صحفية سابقة، أن موائد الرحمن لها جذورها في العصر الفاطمي بمصر، حيث كان الحكام وكبار رجال الدولة يقيمون ولائم ضخمة في شهر رمضان، ويطلقون عليها اسم "سماط الخليفة". وكانت هذه الولائم يحضرها الفقراء والأغنياء على حد سواء، حيث كانت المائدة تشتمل على اللحم والأرز والعسل وحب الرمان، والتمر، بالإضافة إلى الحلوى الرمضانية مثل الكنافة والقطايف.

وهناك روايات تاريخية تقول إن أول مائدة رحمن ظهرت في مصر كانت في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي أقام موائد الرحمن في حديقة قصره للفقراء والصائمين. وهناك روايات أخرى تذهب إلى أن أول مائدة رحمن في مصر كانت في عهد أحمد بن طولون عام 880م، حيث أقام مائدة رحمن لمدة أيام رمضان في القاهرة، وأخبر الناس أن هذه المبادرة سوف تستمر كل عام.

ومن الجدير بالذكر أن موائد الرحمن استمرت مرتبطة بشهر رمضان عبر العصور الإسلامية المختلفة، وظل الأغنياء يتسابقون إلى إقامتها، ويعدونها بشكل مميز كل عام، حتى وصلت إلى ما نراه اليوم من تطور في التنظيم والإعداد لهذه المآدي.

موائد الرحمن في القرن العشرين

وفي القرن العشرين، بدأت موائد الرحمن في الظهور مرة أخرى بمصر، حيث رعتها الحكومة عبر بنك ناصر الاجتماعي، الذي كان يقيم مائدة رحمن في ميدان الأفضل بشبرا، يفطر عليها 4 آلاف صائم من أموال دافعي الزكاة.

ومنذ ذلك الحين، بدأت موائد الرحمن في الانتشار في مختلف أنحاء مصر، وأصبحت توجد في العديد من الميادين والشوارع المصرية.

ومع مرور الوقت، تطورت موائد الرحمن بشكل كبير، وأصبحت تعكس الوجه الحضاري لمصر، حيث تقدم الطعام الحلو والمالح، والمشروبات المختلفة، بالإضافة إلى الحلوى الرمضانية التقليدية.

وفي العصر الحديث، أصبحت موائد الرحمن مبادرات مجتمعية كبيرة، يشارك فيها كبار الشخصيات العامة والسياسية، بالإضافة إلى المواطنين العاديين الذين يتطوعون للمساعدة في إعداد وتقديم الطعام للفقراء والصائمين.

مائدة إفطار المطرية - الأكبر في مصر

ومن الجدير بالذكر أن أول مائدة إفطار قبطية أُقيمت في رمضان في مصر كانت في حي شبرا عام 1969م، حين أقام القمص صليب متى ساويرس، راعي كنيسة مارجرجس، مائدة إفطار للمسلمين والمسيحيين في شهر رمضان بميدان الأفضل بشبرا. ومنذ ذلك الوقت، بدأت موائد الرحمن في الانتشار بين مختلف الطوائف الدينية في مصر.

وبهذا، تعكس مبادرة مائدة الرحمن الروح الروحانية لشهر رمضان، وتوحد المصريين من مختلف الطبقات والأديان