تُبرِز النقاشات الاقتصادية الحالية خلطًا بين "صناعة الصلب المتكاملة" وأنشطة "الدرفلة"، والتي لا تتجاوز في جوهرها إعادة تشكيل منتج نصف مصنع تم إنتاجه في الخارج. وهذا الخلط ليس مجرد خطأ في التعريف، بل قضية تنموية يترتب عليها قرارات اقتصادية رمادية تمنح الصفة الصناعية لأنشطة تقتات على هامش القيمة ولا تنتجها من الأساس.


وتكمن الحقيقة في أن الصلب صناعة تبدأ من الصلب السائل وصهر الخام، وما دون ذلك هو نشاط لاحق لا يمكن اعتباره صناعة صلب وطنية قادرة على بناء اقتصاد مستدام. جوهر الفارق بين الزارع والطاحن يشبه الفرق بين إنتاج الصلب السائل وتشكيل المعادن؛ فالقيمة المضافة والقدرة الاستراتيجية تتركز في المرحلة التي تُخلق فيها المادة من جديد.


خام الحديد، الذي يتطلب إنتاج الصلب السائل استثمارات بمليارات الدولارات وتكنولوجيا معقدة وعمالة فنية مدربة، هي المرحلة التي تحدد ما إذا كانت الدولة منتجة فعليا أم مجرد مستهلك تابع لمواد استراتيجية. أما الدرفلة القائمة على استيراد البيليت، فهي حلقة هشة تعتمد في بقائها على قرارات الدول المصدرة، مما يحول الاقتصاد إلى نموذج تجميعي يفتقر إلى السيادة الصناعية الحقيقية.


وهم القيمة المضافة في الحلقات الأخيرة؛ فلا تُخلق القيمة المضافة عند كل نقطة في سلسلة التوريد بنفس الدرجة، بل تتركز دائما في المراحل الأولى حيث المخاطرة العالية والبنية التحتية طويلة الأجل التي تخلق وظائف مستقرة. وفي صناعة الصلب، يعتبر إنتاج الصلب السائل هو المحرك الذي يفتح الأبواب لصناعات ثقيلة وهندسية ومعدنية؛ بينما الاعتماد على المراحل النهائية يخلق اقتصادا مكشوفا أمام تقلبات الأسعار العالمية.


والاكتفاء بالدرفلة يجعل الصناعة شديدة الحساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد الدولية، حيث تكون الأولوية دائما في أوقات الأزمات للأسواق المحلية في الدول المنتجة للمادة الخام. والتبعية الاقتصادية ومخاطر استيراد البيليت


الاعتماد على استيراد المواد نصف المصنعة يدخل الدولة في حلقة تبعية لا تنتهي، حيث يفقد صانع القرار المحلي التحكم في التكلفة والجودة وتوقيت توفر المادة الأساسية للبناء. وبما أن الصلب ليس سلعة استهلاكية عابرة بل مدخل إنتاجي استراتيجي، فإن أي تعثر في استيراده ينعكس فورا على قطاعات الإسكان والبنية التحتية والمشروعات القومية الكبرى.


وهنا يبرز الخلل المزدوج؛ حيث تضعف الأنشطة المعتمدة على الاستيراد المنتج المتكامل الذي يتحمل أعباء استثمارية هائلة، مما يؤدي لتكديس الاستثمارات في الحلقات الأسهل والأسرع ربحا.


التجارب الدولية والعدالة الحمائية


في القوى الصناعية الكبرى مثل الصين وأوروبا، تفرق السياسات الواعية بوضوح بين المنتج المتكامل والمنتج الجزئي، وتوجه إجراءات الحماية والدعم للحلقة الأهم في السلسلة، لا الأسهل. والحماية هنا ليست امتيازا بل هي تصحيح لمسار هيكلي مختل؛ إذ لا يمكن مساواة من يستثمر المليارات لبناء قاعدة صناعية بمن يكتفي بآلات تشكيل تعتمد على مدخلات أجنبية.


إن العدالة الاقتصادية تقتضي الاعتراف بالفارق في الدور التنموي، وحماية الصناعة الحقيقية من الواردات المغرقة التي تشوه المنافسة وتدفع الاقتصاد نحو سباق القاع في معايير الجودة والتصنيع. والحديد هو أساس البناء والصناعة، ومن ثم فإن مصر تواجه فرصة تاريخية لبناء سيادة صناعية في قطاع الصلب نظرا لحجم الطلب المحلي الضخم والمشروعات القومية، لكن هذه الفرصة مهددة بالضياع إذا استمر الخلط في السياسات.


ويتطلب بناء مستقبل اقتصادي قوي الانحياز للنموذج الذي ينتج المادة الخام، لأن الدول لا تُبنى بمجرد تشكيل المعادن المستوردة؛ بل بامتلاك ناصية إنتاجها وتطوير تكنولوجياتها محليا. والخسارة هنا واضحة، فصناعة الصلب لا تقاس بأطنان الدرفلة، بل بالقدرة على التحكم في الصلب السائل؛ فمن يملك المادة الأولية يملك القرار الاستثماري والقدرة على دعم التنمية لعقود قادمة.