في موجة جديدة من التروندات المثيرة للقلق على منصات التواصل الاجتماعي، تصدّر خلال الأسابيع الماضية ما عُرف بـ"ترند الماء المغلي لإثبات قوة الصداقة" على منصة "تيك توك"، حيث يقوم بعض المستخدمين بسكب ماء مغلي على أيدي أصدقائهم، في مشهد يُقدَّم على أنه اختبار للثقة والوفاء ويتم تصويره ونشره لتحقيق التفاعل والمشاهدات.

علق الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، في تصريحات خاصة ، بالقول: "ما يبدو للوهلة الأولى 'مزحة عابرة' أو محتوى ترفيهي، تحوّل سريعاً إلى سلوك خطير أثار تحذيرات واسعة من أطباء وخبراء صحة ومتخصصين في السلامة الرقمية، وسط مخاوف متزايدة من آثاره الجسدية والنفسية، خاصة على فئة المراهقين".

وأكد مختصون أن خطورة هذه التحديات تكمن في التقليل من حجم الضرر الحقيقي، خاصة عندما يُقدَّم الألم الجسدي كوسيلة لإثبات الصداقة أو الشجاعة.

وتعامل أطباء الطوارئ مع إصابات ناتجة عن تحديات رقمية مشابهة، وأعربوا عن قلقهم المتزايد.

وأشار الدكتور محسن رمضان إلى أنه في تصريحات سابقة، أشار أحد أطباء الطوارئ في شيكاغو إلى استقبال حالات لأطفال ومراهقين أصيبوا أثناء تقليد تحديات منتشرة على تيك توك.

وتابع: "ما يبدو مضحكاً على الشاشة يتحول في غرف الطوارئ إلى ألم حقيقي وندوب دائمة؛ وهناك حوادث عالمية متكررة، ولا يُعد ترند الماء المغلي حالة معزولة؛ فقد شهد العالم خلال السنوات الماضية سلسلة من التحديات الخطرة، تسببت في إصابات وحروق شديدة بل ووفيات في بعض الحالات، نتيجة التقليد الأعمى للمحتوى الرائج دون إدراك للعواقب؛ هذه الوقائع دفعت جهات طبية وتربوية إلى دق ناقوس الخطر بشأن تأثير هذه الظواهر على سلوك الشباب".

من ناحية أخرى، قال مساعد وزير الداخلية المصري مدير الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات ومباحث الانترنت الأسبق، اللواء محمد عبدالواحد: "يُرجع خبراء السلوك الرقمي انتشار هذه الترندات إلى خوارزميات المنصات، وعلى رأسها 'تيك توك' التي تعزز المحتوى المثير للصدمة وردود الفعل القوية؛ لأنه يحقق معدلات مشاهدة وتفاعل أعلى".

وبحسب المختصين، قد يظهر هذا النوع من المحتوى لمراهقين لم يبحثوا عنه أصلاً، ما يرفع احتمالية التقليد بدافع الفضول أو الضغط الاجتماعي.

وتابع اللواء عبدالواحد: "أعلنت منصة 'تيك توك' في أكثر من مناسبة أنها تعمل على إزالة المحتوى الذي يشجع على السلوكيات المؤذية؛ وتعتمد على أدوات ذكاء اصطناعي لرصد التحديات الخطرة مبكراً؛ لكن خبراء يؤكدون أن الرقابة التقنية وحدها لا تكفي، ما لم يصاحبها وعي أسري وتعليم رقمي، وحوار مفتوح مع الشباب حول مخاطر ما يشاهدونه".

وأضاف: "يبقى السؤال الأهم.. هل تُقاس قوة الصداقة بالألم الجسدي؟ الإجابة لدى المختصين واضحة؛ الصداقة الحقيقية تُبنى على الاحترام والثقة والدعم المتبادل، لا على تحديات قد تترك أثراً جسدياً أو نفسياً دائماً فقط من أجل فيديو عابر أو ترند مؤقت".

ونصح اللواء عبدالواحد بعدم مشاركة أو تشجيع أي تحدٍ يتضمن إيذاء النفس أو الآخرين، وعلى الأهل مراقبة المحتوى الذي يتعرض له الأبناء دون انتهاك الثقة وتعلّم التفكير النقدي قبل تقليد أي محتوى رائج وتذكّر أن الترند مؤقت والإصابة قد تكون دائمة ففي عصر السباق على المشاهدات أصبح الوعي الرقمي ضرورةً لا رفاهية فليس كل ما يلمع على الشاشة آمناً وليس كل ترند يستحق التجربة.