أكدت دراسة أكاديمية حديثة أن اتفاقية تاريخية تم توقيعها بين المصريين والحيثيين منذ أكثر من 3300 عام تمثل أقدم معاهدة سلام معروفة في التاريخ المسجل، وذلك وفقًا لما نشره موقع "اليونانيز ريبورتر". وتفصّل الأبحاث، التي قادتها الدكتورة زينب علي جاسم من جامعة بغداد ونُشرت في مجلة "البيلتيك للقانون والسياسة"، كيف انتقلت القوتان القديمتان من الحرب إلى الدبلوماسية بعد معركة قادش. وكشفت الدراسة أن هذه المعاهدة، التي وُقِّعت حوالي عام 1274 قبل الميلاد بين الملك رمسيس الثاني والملك الحيثي حاتوشيلي الثالث، كانت بمثابة علامة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية، حيث أرست بنودًا رسمية للتعاون والتحالف الذي تجاوز مجرد وقف إطلاق النار.


جاءت هذه الاتفاقية بعد سنوات من التوتر السياسي والصراعات العسكرية بين المملكتين، والتي شهدت معركة قادش الحاسمة في سوريا الحديثة. وعلى الرغم من ادعاء كلا الجانبين النصر، إلا أن الروايات التاريخية تشير إلى أن القوات الحثية كانت في موقف أقوى. ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن هذه المواجهة دفعت المملكتين إلى إدراك أهمية السلام كضرورة استراتيجية.


وتعد هذه المعاهدة نموذجًا مبكرًا للدبلوماسية الدولية، كما أنها تعكس الطبيعة السلمية للمملكة المصرية، حيث رحب الملك رمسيس الثاني بفرصة التصالح التي قدمها الملك الحيثي. وبدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلاطين، وبعد حوالي 16 عامًا من المعركة، تم التوقيع على معاهدة سلام رسمية.


وتبادلت العاصمتان "خانوشا" و"بى ـ رمسيس" البعثات الدبلوماسية للتفاوض على شروط المعاهدة التي تماشى مع النظام الدولي في ذلك الوقت. وهكذا، كانت المعاهدة المصرية الحيثية نهاية طبيعية لقرن من التوتر والتوترات السياسية بين المملكتين. وعلى الرغم من وجود بعض الجدل حول التاريخ الدقيق، إلا أن النسخ المصرية من المعاهدة، والتي تتجلى في النقوش على جدران معابد أبيدوس والكرنك والأقصر وأبو سمبل، تروي قصة النصر البطولي للملك رمسيس الثاني.


وأضاف نوكي ماساكي، سفير اليابان الأسبق في مصر، أن هذه المعاهدة عززت الروابط الشخصية بين المملكتين، حيث تزوجت ابنة الملك الحيثي حاتوشيلي الثالث من الملك رمسيس الثاني. وظلت المعاهدة سارية المفعول حتى بعد وفاة الملك الحيثي، وتم تقسيم بلاد الشام بين المملكتين، حيث حصلت مصر على الجنوب وحصلت الإمبراطورية الحثية على الشمال.


وتخلص الدكتورة جاسم إلى أن هذه المعاهدة لم تحافظ على السلام فحسب، بل شكّلت أيضًا الإطار القانوني والسياسي للعلاقات الدولية في العالم القديم، مما يدل على أهميتها التاريخية والدبلوماسية. وتعد معاهدة الكرنك، التي تخليدًا لهذه الاتفاقية التاريخية، شاهدًا على حكمة وقدرة القادة المصريين على إدارة الشؤون الخارجية سلميًا وتعزيز التعاون والتفاهم بين الأمم.